الخميس، 9 يوليو 2026 | الموافق ٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

السياسي محمد قحطان الخارج عن النص والمتجاوز للإيدلوجيات

الهاشمية السياسية و الحراك التهامي ورقة عسكرية وذريعة التفكيك
خلاصة سريعة خلاصة سريعة

السياسي الذي يجرؤ على نقد بيئته يستحق أن يقرأ من خلال مبدأ بسيط، مبدأ الحق في الحقيقة والحق في الذاكرة، والحق في الوداع الإنساني ،وهي ليست منحة من قيادة ولا هدية من خصم، بل حقوق أصيلة لا تساوم عليها حتى مع من اختلفنا معه،

بدأت قصة التبادل الأولى في 2016 تقريبًا عندما اعتقلت قوات الشرعية قيادي بارز من بيت العماد، كان يمثل محور اهتمام إيراني مباشر، فتدخل الإيرانيين في صنعاء وتواصلوا مع قيادة الإصلاح للإفراج عنه.

وكان المقابل المتفق عليه اعتراف صريح ومباشر من الحوثيين بمقتل السياسي البرغلي محمد قحطان مقابل نقل جثته وإطلاق سراح القيادي المعتقل، ورغم أن قيادة الحزب في مأرب رفضت استلام الجثة إلا أنها أطلقت سراح المذكور.

لتبدأ رحلة الغموض الطويلة، ثم عادت القصة في 2023 حين سعى الحوثيين مقابل تسليم جثة قحطان للمرة الثانية إلى استعادة ثلاث جثث بينهم لبناني، وتطور التواصل عبر الجهاز الأمني في مأرب حتى نقل الرفات إلى نقطة الالتقاء.

هذه العمليتين كتبت عنها في حينها مباشرة ولم أتمكن حاليًا من استعادة ما نشرته في حينه، لكن ورغم ذلك لم تعلن قيادة الحزب منذ 2016 عن مقتل قحطان، وفي عملية التبادل في 23 بقي السؤال معلقًا، هل الجثة لا تزال في مأرب أم أعيدت إلى صنعاء من جديد؟!

بعيداً عن كل هذه المعطيات والتفاصيل، أرى في محمد قحطان نموذج لذلك السياسي اليمني الذي حمل في جعبته تناقضات مرحلة بأكملها، طموح لا يعرف الحدود وشجاعة تصل إلى حد التهور ،ونقد ذاتي نادر في بيئة سياسية اعتادت التقديس والصمت .

وكان من القلائل الذين جرؤوا على الخروج على النص في مؤتمر الحوار الوطني ومحاولة تجاوز الأيديولوجيا، التي نشأ عليها، مما صنع منه خصم حتى داخل بيته الحزبي، وهذا بحد ذاته ليس جريمة بل علامة على حيوية فكرية قد تكون خطيرة في أوساط تفضل الولاء على الجرأة.

وقحطان كأي إنسان عاش في خضم العاصفة اليمنية ارتكب أخطاء وساهم في لحظات اشعلت الفتنة، لكن هذا لا ينتقص من حقه في الكرامة حتى بعد الموت، ولا يبرر أن يتحول غيابه إلى ورقة مساومة داخلية أو أن يترك مصيره غارق في الضباب لصالح حسابات المنظومة الضيقة.

فالسياسي الذي يجرؤ على نقد بيئته يستحق أن يقرأ من خلال مبدأ بسيط، مبدأ الحق في الحقيقة والحق في الذاكرة والحق في الوداع الإنساني وهي ليست منحة من قيادة ولا هدية من خصم، بل حقوق أصيلة لا تساوم عليها حتى مع من اختلفنا معه، وطالما بقي الصمت هو الخيار والصمت وحده، فسيظل قحطان رمز لمرحلة تعلمنا فيها أن السياسة اليمنية حين تفقد أخلاقياتها لا تكتفي بابتلاع الأحياء بل تبتلع أيضًا ذكرى الأموات وتترك الأسئلة بلا إجابات والجثث بلا وداع.