الأربعاء، 15 يوليو 2026 | الموافق ٢٩ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

الأئمة والمدخل الواطئ

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

 

في قصة المنزل ذو المدخل الواطئ لإبراهيم صموئيل، يطرح صموئيل تلك العلاقة مع المكان وامتداداتها في الاجتماع والنفس. المكان كينونة تفصح عن نفسها، وعن وجودها الذي نحياه.

لسان حال الشباب واليمنيين اليوم يقول: هذا ما جناه الأئمة الجدد علينا. كلما حاولنا أن ننتمي إلى هذا المكان، يصطدم الرأس بمدخله الواطئ. كلما دخلنا أو خرجنا، ليكون الوجع حافزًا لسؤالين مريرين: كيف ندخل إلى اليمن الجديد؟ وهل نستطيع إخراج اليمن من أنفسنا بعد أن أثخنته الجراح؟

ما الذي جعل المكان الذي ارتأيناه للتعايش، وموئلًا للحكمة، يمانيًا مدخله واطئ إلى هذا الحد، حتى بات الوطن مصدر الألم كلما أردنا الامتداد فيه، في بيتنا اليمن؟

كان البيت اليمني مكانًا يتسع للجميع، يتنفس من رئتي التعدد والتعايش، دون اصطدام الرأس بما يحمله من صراعات مذهبية وسلالية دفنها الزمن ذات يوم. لكن الاصطدام الحاد بدأ مع جماعة الحوثي، التي نصبت نفسها وصيًا بالفرز الإلهي على الدولة والشعب، ليتصادم ساكنو البيت الواحد حينما كرس الكهف فيهم كل أشكال التفرقة، والتقوقع الطائفي، والاستعلاء السلالي، وبات الولاء للسيد وصك الغفران الخادع هو شرط البقاء في البيت المسبي، اليمن.

السؤال الآن: كيف نعيد لبيتنا اليمن ذاك التعايش السلمي الحضاري في بيئة جمهورية مدنية، تصون حقوق المواطنة المتساوية لجميع من في البيت؟ ومن يفرض شروط هذا التعايش؟ هل هو الشعب، المالك الحقيقي لهذا البيت، فيوسع مدخله الواطئ ويسترد كرامته؟ أم هم مستثمرو الحرب وتجار الأيديولوجيا المستوردة في غرفه، بعدما لوثوها بشعاراتهم الإقصائية وصرخاتهم المدمرة، هم من يفرض شروط هذا الخنوع؟

والأهم هو: كيف نمحو آثار الخيبة والشرخ المجتمعي لهذا المدخل الواطئ، بعد كل ذلك الدمار النفسي والمجتمعي، وتفخيخ عقول الأطفال، عدا عن دمار بنى الدولة وسرقة مقدراتها؟ يجيب البعض بإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة وبناء السلام، لكن من يفرض هذه الشروط بعدما تشتت شمل البيت، وتقاسمه الخارج، وتآكلت فيه ملامح السيادة؟

كان الطوفان أعلى من ذاكرة الشباب. سمعوا أو قرؤوا عن حصار حصين، وعن ثورات غابرة، ولم يكونوا قد عرفوا من الغربة سوى بعدها المكاني، وقد ظنوا أن فجر سبتمبر وأكتوبر سيبقى حارسًا أبديًا. وحينما امتد موج المليشيا الأسود بما يحمله من صراع، تفتتت البلاد إلى جزر معزولة ومناطق نفوذ.

أدرك الشباب أن ما سمعوه عن اليمن السعيد، من مأرب التاريخ إلى شواطئ عدن، والمطرز بعبق التسامح وحضارة ملوك سبأ وحمير، وما لقنوا عنه في المناهج، لم يكن سوى جسد ومكان أتعبته مطامع الطامحين بالملك العضوض، وأنهكته شعارات الحق الإلهي التي أطلت برأسها من غبار التاريخ.

كلما أراد الشباب الإبحار نحو غد أفضل، اصطدم الرأس بالمدخل الواطئ، الذي فرضته المليشيا بقيود الفكر الأوحد، وتغير مجرى الرياح الإقليمية والدولية وما تحمله من مصالح شتى. نكسوا أعلامًا ورفعوا أخرى، وابتعدوا عن شواطئ الدولة المدنية التي حلموا بها يومًا. كلما فكروا بالخلاص، كانت الخشية من قمع المشرفين والاصطدام بالمدخل الواطئ.

هنا أدركوا أن للغربة أبعادًا أخرى، فالمكان بات كينونة مشوهة يحكمها الجهل والخوف، واليمن بات بلا ملامح واضحة، فالشتات والضياع يملآن الكينونة، بين حصار المدن وسجون الفكر.

البعض استطاعوا فرارًا بقواربهم وهجرتهم إلى بلاد أخرى، فأدركوا تشابههم مع الآخر في الإنسانية واختلافهم معه، رافعين وعيهم وعلمهم رايات، مدركين أن الغربة الجديدة تعدل بينهم في الحقوق، فارتضوا بعقل شقي بالصورة الشوهاء لبلادهم المنكوبة، وتصالحوا مع الغربة بوصفها ملجأً مؤقتًا، متمسكين بهويتهم اليمانية الأصيلة دون شوائب الأيديولوجيا المفروضة بالحديد والنار، ونشاطهم في شتات الأرض شاهد على ذلك.

لكن البعض غادر حلمه تحت وطأة الحصار والفقر، لم يكملوا تعليمهم ولم يجدوا سبيلًا للفرار منهم. من ارتضى بلقمة عيش مغمسة بالخنوع، محاولًا تحسس رأسه من الاصطدام المستمر بالمدخل الواطئ، مرددًا مرغمًا أهازيج وشعارات لا يؤمن بها، فالصمت والعيش في الظل أسلم، فارتفعت جدران الخوف بينهم وبين إخوانهم، ليمتد الفصام المجتمعي ويغرق البعض في طحالب التعبئة الطائفية، محاولين إثبات ولاءات زائفة للنجاة، معتادين على حني رؤوسهم، تجنبًا لضربات السياط، فهم أسرى المدخل الواطئ والولاية المزعومة.

أما من تاهت مراكبهم وسط الأمواج، فتقاذفتهم ولاءات الطوائف والتحالفات، وجدوا في التمترس خلف البندقية كينونة هشة تطعم أطفالهم، فجذفوا بأيديهم في مستنقع الحرب ورفعوا أي راية تضمن بقاءهم، إلى أن اكتشفوا أنهم باتوا وقودًا لمعارك عبثية يساقون فيها كأرقام بلا أسماء، لخدمة أوهام سلالية أو مصالح عابرة للحدود. حينها أدركوا غربة الروح، أدركوا ضياع اليمن فيهم، وأنهم باتوا مجرد أدوات لمشروع غريب عنهم وعن تاريخهم. أدركوا أن الاغتراب داخل الوطن أشد إيلامًا من المنفى.

منهم من حملوا تراب اليمن والياسمين في قلوبهم، ولحقوا بالمهاجر الأولى، فكانوا وما زالوا كثرًا يحملون ندوب الانكسار والنزوح مثل وشم غائر في الذاكرة والوجدان، حملوا حلمهم باليمن الجمهوري في حقيبة السفر، وافترشوا بها جدران منافيهم الجديدة، يحدوهم الأمل ببلاد قد تعود تشبه تلك التي نشؤوا فيها، قبل أن يغزوها السواد. لن يستطيعوا إخراج اليمن من أنفسهم، لكن أي يمن يريدون بعد كل هذا التمزيق؟

وهنا تبرز الغربة الأخرى بين الذات وتحققها في مكان آخر مستقر، وبين الحنين إلى تفاصيل صنعاء وعدن وتعز والحديدة، وصوت الأذان وأغاني أيوب طارش، التي ما زالت تجمع شتاتهم، فيتناسون الجوع والخوف، ولا تبرح وجدانهم تفاصيل الخسارات الأولى.

أما من جاهد، وما زال يجاهد، على أرض الوطن، رافضًا الخضوع للكهف والأيديولوجيا الدخيلة، فإنه يصارع بمجاديف الوعي والكلمة والهوية السبئية الأصيلة، محاولًا حماية ما تبقى من ثقافة التعايش والجمهورية، رافضًا أن تتحكم بمساره قوى الجهل والظلام. وكم للحق الإلهي المزعوم من سلطة قمعية ما زال الأحرار يحاولون تفكيكها ورفع منسوب الوعي ضدها، في مواجهة سلطة تحاول إعادة عقارب الساعة إلى قرون التخلف والجهل والمرض، عبر غسيل عقول مستمر يحول الإنسان إلى عبد مطيع.

طوبى لمن ما زال يرى وجه اليمن الحقيقي خلف غبار المعارك وشعارات التظليل، ويميز نداء الفجر والجمهورية من سراب الوعود الكاذبة، ووعى أن تمسكه بهويته اليمنية الخالصة هو طوق النجاة الوحيد من هذا التيه والضياع.

لتبقى الأسئلة مفتوحة على مصير أجيال كاملة، على وعي سبتمبر وأكتوبر، يولد من جديد في كل عقل. طوبى للأحرار، طوبى لبيتنا اليمن.