الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 | الموافق ٢ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

صنعاء إلى باب المندب، ولادة منظومة حوثية عابرة للحدود (2)

الهاشمية السياسية و الحراك التهامي ورقة عسكرية وذريعة التفكيك

داخل مسرح العمليات الساحلي مؤشر على أن المعركة لم تعد محصورة في البيئة اليمنية بل بدأت تستقطب شبكات مسلحة مرتبطة جغرافيا وأمنيًا بالممر البحري نفسه.

هذه التركيبة المتعددة المصادر تفسر جزئيًا طبيعة العمليات التي ظهرت على الساحل الغربي. لم يكن الهجوم مجرد تقدم بري باتجاه واحد، وإنما جرى عبر ضغط متزامن على أكثر من محور، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة والقوة البرية والتهديد البحري والضغط النفسي والإعلامي.

مع قدرة على الانتقال السريع من محور إلى آخر، والهدف من كل هذا النوع من العمليات ليس بالضرورة تحقيق اختراق في كل مكان وإنما إجبار الطرف الآخر على توزيع قواته وقراراته ثم استغلال النقطة التي تكون فيها قدرته على التنسيق أقل من سرعة الهجوم، وفي هذه الحالة يصبح العامل الحاسم ليس حجم القوات الموجودة في كل موقع، وإنما سرعة تحويل المعلومات إلى قرار ثم إلى قوة ميدانية.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط الضعف لدى القوات المناهضة للحوثيين، فقد كانت القوات الموجودة على الساحل جزء من تشكيلات متعددة ومراكز قيادة مختلفة، بينما تطلبت طبيعة الهجوم منظومة قرار واحدة تنظر إلى الساحل والمخا وذباب والجزر وباب المندب .

باعتبارها مسرح عملياتي واحد، وعندما لا تكون هذه الرؤية موجودة يصبح سقوط موقع واحد قادر على إحداث أثر متسلسل في المواقع التي تليه، فالانسحاب من الوازعية أو حيس أو المخا لا يبقى مشكلة خاصة بالمناطق نفسها، خصوصًا إذا لم توجد القدرة على إعادة بناء خط دفاعي جديد قبل وصول القوة المهاجمة إلى ذباب، وإذا سقطت ذباب دون إعادة تنظيم، يصبح الدفاع عن الجزر أكثر صعوبة، وإذا وصلت القوة إلى ميون تكون المعركة قد انتقلت من الأرض إلى البحر.

وهذا ما يجعل سقوط المخا أكثر أهمية من مجرد فقدان مدينة ساحلية. فالمخا كانت عقدة في المسار الساحلي الذي يقود جنوبًا إلى باب المندب، والسيطرة عليها فتحت المجال أمام استمرار الزخم، ثم جاء الانتقال إلى ذباب وبعدها إلى حنيش وميون ليكشف أن الحوثيين نجحوا في الحفاظ على إيقاع العمليات قبل أن يتمكن الطرف الآخر من تشكيل خط دفاع جديد، وفي الحروب الحديثة يمثل الحفاظ على الإيقاع عاملًا حاسم، لأن القوة المهاجمة لا تحتاج إلى تحطيم كل قوات الخصم دفعة واحدة إذا استطاعت منعه من إعادة تنظيم نفسه بعد كل اختراق.

لكن العامل الميداني وحده لا يفسر سرعة الحركة. فالمعركة الحديثة تبدأ قبل ظهور القوات على الأرض من خلال جمع المعلومات والاستطلاع وبناء صورة دقيقة عن المجال العملياتي ومراقبة مواقع القوات وتحركاتها وتحديد نقاط القوة والفراغات، وهنا دخلت المعلومات الفضائية كطبقة أخرى في المنظومة التي استخدمها الحوثيين.

فقد استفادت العملية من دعم صيني مباشر في مجال صور الأقمار الصناعية والمعلومات الجغرافية، وهو دور يختلف في طبيعته عن الدور الإيراني واللبناني.

فبينما يوفر الإيرانيين واللبنانين جزء من الخبرة البشرية والتخطيط والتشغيل والتطوير العسكري، توفر المعلومات الفضائية طبقة متقدمة من الوعي بالمجال العملياتي تسمح بمتابعة التغيرات الميدانية ورصد التحركات وتحديث صورة مسرح العمليات بصورة مستمرة.

ولا تعني هذه المعلومات أنها تحسم المعركة بذاتها، لكنها تقلل مساحة عدم اليقين لدى الطرف الذي يمتلكها، وتمنحه قدرة أكبر على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وربط الحركة البرية بالمعطيات المتغيرة على الأرض، ومن هنا فإن الدعم الفضائي الصيني في سياق هذه العملية لا ينبغي النظر إليه كعامل تقني هامشي بل كجزء من منظومة المعلومات التي ساعدت على تحويل المعرفة بالميدان إلى قدرة عملية على الحركة والمناورة.

وهذا يتقاطع مع ما ظهر سابقًا في التقارير الأمريكية بشأن شركة صينية متخصصة في الأقمار الصناعية، اتهمتها واشنطن بتوفير صور للحوثيين استخدمت لأغراض عسكرية.

وقد نفت الصين هذه الاتهامات، ولذلك ينبغي الفصل بين ما أعلنته الولايات المتحدة وما يمكن إثباته بصورة مستقلة، لكن المعطيات الميدانية المتعلقة بالعملية الأخيرة أكدت أن الدعم الفضائي الصيني لم يكن مجرد خلفية تقنية وإنما أحد عناصر منظومة المعلومات التي استفادت منها القوة الحوثية في إدارة المعركة نحو باب المندب، وتكمن أهمية ذلك في أن الحوثيين لا يعتمدون فقط على استطلاع محلي أو مصادر بشرية وإنما أصبحوا قادرين عبر شبكة الدعم الخارجية، على الاستفادة من طبقات معلوماتية أكثر تطور مما يتوافر عادة لجماعة مسلحة….

يتبع