ليست كل القرصات مؤلمة بالقدر نفسه، فبعضها يترك أثرًا يزول بعد دقائق، وبعضها يغيّر طريقة الإنسان في السير طوال حياته. وما أكثر الذين لا ينتبهون إلى الخطر إلا بعد أن تلسعهم الحقيقة، فيدركون متأخرين أن التجارب التي كانوا يرفضونها كانت تحمل لهم الدرس الذي لم يتعلموه بالكلمات.
والشعوب ليست استثناءً من ذلك. فهي أيضًا قد تنام طويلًا على وعود براقة، وشعارات صاخبة، وخطابات تُخدّر العقول أكثر مما توقظها. وحين تتراكم الأخطاء، ويغيب صوت الحكمة، لا يعود الواقع يكتفي بالنصح، بل يرسل قرصته القاسية، لتصبح الحقيقة هي المعلم الوحيد الذي لا يمكن تجاهله.
في اليمن، جاءت الحرب كأقسى قرصة عرفها هذا الجيل. لم تطرق الأبواب بهدوء، بل اقتحمت البيوت، وفرّقت الأسر، وأغلقت المدارس، وأرهقت المستشفيات، وأثقلت كاهل الناس بالفقر والخوف والنزوح. عشر سنوات مضت، دفعت فيها البلاد أثمانًا باهظة، حتى أصبح اليمني يعرف قيمة الدولة حين غابت، ويعرف قيمة الأمن حين فقده، ويعرف معنى الاستقرار بعد أن عاش الفوضى بكل تفاصيلها.
لقد سقطت خلال هذه السنوات أوهام كثيرة. أوهام الشعارات التي وعدت بالنهضة فإذا بها تقود إلى الخراب. وأوهام الخطابات التي بشّرت بالعزة فإذا بها تزرع الجوع والانقسام. وأوهام التطبيل التي صنعت من الأزمات انتصارات وهمية، بينما كان المواطن يدفع الثمن من دمه، ورزقه، ومستقبل أبنائه.
واليوم يقف اليمنيون أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل كانت كل هذه التضحيات كافية ليتغير الوعي؟ وهل أصبحت التجربة أقوى من الشعارات؟ وهل صار الوطن أكبر من الأشخاص، والدولة أهم من الجماعات، والمستقبل أغلى من أي مشروع جرّ البلاد إلى هذا المصير؟
إن الحرب، مهما كانت قاسية، لا تكون بلا معنى إذا خرج الناس منها أكثر وعيًا. أما إذا عادوا إلى الأخطاء نفسها، وصدقوا الوعود نفسها، وصفقوا للأصوات نفسها، فإن القرصة ستتكرر بصورة أشد إيلامًا، وسيبقى الوطن هو من يدفع الفاتورة.
واليوم، ونحن نعيش مؤشرات مرحلة جديدة، ويحدونا الأمل بأننا على أعتاب انتهاء هذه الحرب بإذن الله، فإن الواجب الأكبر لا يتمثل في الاحتفال بانتهاء المعارك فحسب، بل في الاحتفال بعودة العقل، وعودة الدولة، وعودة الإنسان إلى وطنه.
سيأتي اليوم الذي يعود فيه أبناء اليمن إلى صنعاء، ويتنفسون هواءها من جديد، وتمتلئ شوارعها بالحياة، ويجتمع اليمنيون في ميدان السبعين يحتفلون بوطن استعاد نفسه بعد سنوات طويلة من الألم. ذلك اليوم، إن كُتب له أن يأتي، لن يكون مجرد احتفال بانتصار طرف على آخر، بل يجب أن يكون احتفالًا بانتصار اليمن على سنوات الحرب، وانتصار الدولة على الفوضى، وانتصار الوعي على الوهم.
وعندما يحين ذلك اليوم، لا تجعلوا الفرح يمحو الذاكرة.
تذكروا البيوت التي تهدمت، والأمهات اللواتي بكين أبناءهن، والأطفال الذين حُرموا من طفولتهم، والمرضى الذين فقدوا الدواء، والطلاب الذين سرقت الحرب سنوات تعليمهم. تذكروا كل ذلك، لا لتعيشوا في الحزن، بل حتى لا تسمحوا لتلك المأساة أن تتكرر.
اعترفوا بأن الجميع دفع الثمن، وأن الأوطان لا تنهض بالمكابرة، بل بالشجاعة في مراجعة الأخطاء. فليس عيبًا أن يخطئ الإنسان، ولكن العيب أن يكرر الخطأ بعد أن دفع ثمنه وطن بأكمله.
التفوا حول دولتكم، فالدولة هي المظلة التي تحمي الجميع، والقانون الذي يساوي بين الجميع، والمؤسسة التي تحفظ الحقوق وتصون الكرامة. فلا مستقبل لوطن تتنازعه المشاريع، ولا نهضة لشعب يكرر أخطاء الماضي.
لقد كانت الحرب قرصة قاسية، لكنها قد تكون آخر القرصات إذا أحسن اليمنيون قراءة الدرس. فالأوطان لا تنهض بكثرة ما تبكي على جراحها، وإنما بكثرة ما تتعلم منها. وإن كانت الحرب قد أيقظت الجميع، فلا تسمحوا للنسيان أن يعيدكم إلى النوم مرة أخرى.





