هناك سؤال لم يعد من الممكن دفنه تحت بيانات التهدئة والدبلوماسية ،ماذا تريد السعودية فعلا من اليمن؟ ليس السؤال عن قدرتها على الحرب.
السعودية تملك من المال والسلاح والقدرات الاستخباراتية ما يجعل السؤال عن القدرة بلا معنى..
السؤال الحقيقي هو بعد كل هذه السنوات، وبعد كل الصواريخ والمسيرات التي وصلت إلى العمق السعودي، وبعد كل الضربات التي تلقاها حلفاء الرياض في اليمن، وبعد كل الأموال والجهود التي أنفقتها المملكة، لماذا تبني تحالفا لحماية البحر، بينما مصدر النار ما زال على اليابسة.؟
لماذا لا تسمح للشرعية بالحرب؟ وهنا يكون السؤال الأكثر إيلاما. السعودية تقول إنها تدعم الشرعية اليمنية. حسنا ،لكن ماذا يعني دعم الشرعية إذا كانت هذه الشرعية لا تستطيع، أو لا يسمح لها، بإعادة بناء قوة عسكرية وسياسية قادرة على استعادة الدولة.؟
ما جدوى حكومة شرعية، إذا كانت تقيم في الرياض بينما يقيم خصمها في صنعاء ،ويمتلك السلاح والصواريخ والأجهزة الأمنية والقدرة على فرض الأمر الواقع.؟
هل هناك من يمنع الرياض من الرد؟ لا توجد ضغوط دولية واضحة، وإن كانت هذه الضغوط من نوع آخر ضغط الاقتصاد. ضغط السمعة الدولية. ضغط الخوف من حرب لا نهاية لها.
ضغط العلاقة مع واشنطن. ضغط إيران وشبكة حلفائها. ضغط الانقسام اليمني نفسه. والأهم من هذا كله: ضغط تجربة 2015..
وهنا تحديدا يجب أن نضع إصبعنا على الجرح.
ربما لا تفتقر السعودية إلى الرؤية… بل تفتقر إلى الشجاعة الاستراتيجية لتطبيقها..
هذه صيغة أكثر قسوة، لكنها ربما أكثر دقة، فالرياض تعرف أن الحوثي لن يختفي بالتفاوض وحده. وتعرف أن القوة العسكرية ضرورية. وتعرف أن الشرعية تحتاج إلى إعادة بناء. وتعرف أن اليمن لا يمكن أن يبقى رهينة جماعة مسلحة..
لكنها في الوقت نفسه لا تريد دفع ثمن تغيير هذه المعادلة. فتنشأ سياسة وسطية:
لا حرب شاملة. ولا سلام نهائي. لا إسقاط للحوثي. ولا اعتراف كامل به. لا تمكين كامل للشرعية. ولا التخلي عنها. لا مواجهة مباشرة مع إيران. ولا تجاهل لدورها..
هذه ليست بالضرورة سياسة بلا رؤية. لكنها رؤية محكومة بالخوف من نتائجها. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لقوة إقليمية كبيرة. أن تعرف ماذا تريد، ثم تقنع نفسها بأن الظروف لا تسمح لها بفعله..
وهنا نعود للتساؤل مجددا: هل التحالف البحري حل للمشكلة أم هروب منها؟
لا أحد يستطيع إنكار أهمية البحر الأحمر. ولا أحد يعترض على حماية الملاحة، لكن السؤال الذي يجب طرحه بلا مجاملة: لماذا أصبح أمن البحر أولوية بينما أمن مصدر التهديد نفسه لم يحسم.؟
لذلك فإن التحالف البحري، مهما كان ضرورياً، يصبح خطيراً إذا تحول من جزء من الاستراتيجية إلى بديل عن الاستراتيجية. لأنك عندها لا تعالج المرض ،أنت فقط تجعل أعراضه أقل إيلاما..
والمفارقة الكبرى: السعودية تملك القوة… والحوثي يملك المبادرة ،هذه ربما أكثر جملة تستحق أن تقال في وجه السياسة السعودية.
السعودية تملك القوة، لكن الحوثي يملك المبادرة. هو الذي يقرر متى يصعد. هو الذي يختار متى يهدد البحر. هو الذي يطلق الرسالة ثم ينتظر رد الرياض. وهو الذي يستفيد من حقيقة أن السعودية لا تريد حربا مفتوحة!.
وهذه ميزة استراتيجية هائلة. لأن الطرف الذي يخشى التصعيد أكثر من خصمه يصبح، عمليا، الطرف الأكثر قابلية للابتزاز بالتصعيد..
المشكلة ليست في الرياض وحدها
هناك مسؤولية يمنية أيضا. القوى المناهضة للحوثي فشلت في بناء مركز سياسي وعسكري موحد. تنازعت على النفوذ. تنافست على الموارد. انقسمت بين مشاريع مختلفة.
واختلفت حول الجنوب، وحول شكل الدولة، وحول العلاقة مع الخارج ،وفي الوقت الذي كان فيه الحوثي يبني مركزاً عسكرياً شديد التماسك، كان خصومه يبنون مراكز نفوذ متنافسة..
وهنا ارتكبت الرياض خطأ استراتيجياً آخر، فهي تعاملت طويلا مع القوى المناهضة للحوثي باعتبارها مجموعة ملفات، بدلا من التعامل معها باعتبارها مشروع دولة يحتاج إلى قيادة واحدة وعقيدة واحدة وهدف واحد. فلا يمكن هزيمة سلطة مركزية بجبهة مضادة تتكون من جزر متنافسة..
المطلوب ليس حربا سعودية جديدة
وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة. البديل عن هذه السياسة ليس العودة إلى 2015. ولا يعني استنزاف الجيش السعودي في جبال اليمن. ولا يعني قصف المدن. ولا يعني تحويل اليمن إلى ساحة حرب مفتوحة، بل يعني شيئا أكثر ذكاء: إعادة بناء جيش يمني حقيقي. قيادة يمنية موحدة.
وقرار عسكري لا يتبع عشرات الولاءات. دعم سياسي مشروط بالأداء. تمويل مرتبط ببناء المؤسسات. واستراتيجية واضحة تجاه الحوثي..
أما أن تبقى الشرعية في الرياض، والحوثي في صنعاء، والسفن السعودية تبحث عن الحماية في البحر، فهذا ليس حلا. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للسعودية ليس أن يخسر جيشها معركة.
الأخطر أن تنتصر في حماية حدودها، ثم تكتشف بعد سنوات أن خصمها هو الذي أصبح يحدد شكل الأمن في المنطقة كلها!.





