الجمعة، 14 أغسطس 2026 | الموافق ٢٩ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

من مساحات عابرة إلى غضب متراكم..

الحوثيون وصناعة جغرافيا زائفة للرد

أدهشتني ردود الفعل اليمنية على الإساءة التي وجهها نايف الجهني لليمنيين في إحدى مساحات منصة «إكس». كنت أتابع المساحة مع إخفاء هويتي، أستمع إلى النقاش من دون تدخل، لكن ما استوقفني لم يكن الإساءة وحدها بقدر ما كان حجم الرد عليها، والأهم، هو ممن جاء هذا الرد.

عدد من اليمنيين الذين تحدثوا بغضب هم أنفسهم ممن عُرفوا بمواقفهم القريبة من السعودية، وبعضهم دافع باستمرار عن سياساتها ومواقفها في اليمن. ولهذا كان المشهد بالنسبة لي لافتًا. نحن لا نتحدث هنا عن أصوات اعتادت توجيه انتقادات الرياض، بحيث يمكن تفسير ما حدث باعتباره امتدادًا لموقف سياسي مسبق.

هذه المرة بدا أن شيئًا آخر قد تحرك. عندما شعر هؤلاء أن الكلام لم يعد خلافًا سياسيًا، وإنما تجاوز ذلك إلى الإساءة لليمنيين، أصبحت اللغة مختلفة تمامًا. وكأن هناك حدًا يمكن أن يصل إليه الاصطفاف السياسي ثم يتوقف عنده.

والأهم أن الأمر لم ينتهِ بانتهاء المساحة. ردود الفعل الغاضبة تواصلت حتى اليوم، وفُتحت مساحة أخرى لمناقشة ما حدث. وسمعت مشاركين يمنيين يؤكدون أنهم لن يقبلوا بالإساءة، وأن المسألة بالنسبة إليهم لا تنتهي بانتهاء نقاش على «إكس». كما جرى الحديث خلال هذه النقاشات عن تدخلات ووساطات قبلية يمنية وسعودية لمحاولة احتواء الموقف، وعن ضرورة تقديم اعتذار علني. وذهب بعض المشاركين إلى القول إنهم سيلجأون إلى القضاء إذا لم يحدث ذلك.

وهنا يجب التفريق بين أمرين: نايف الجهني، بصفته فردًا، لا يمثل السعودية لمجرد أنه سعودي، ولا يصح تحميل دولة مسؤولية ما يقوله شخص في مساحة على منصة اجتماعية ما لم يكن يتحدث باسمها أو يحمل صفة رسمية تخوله ذلك. لكن في المقابل، اختزال كل ما حدث في «مشادة على إكس» قد يفوّت المعنى الأهم.

فالسؤال ليس فقط: ماذا قال نايف الجهني؟ بل لماذا استطاعت كلماته أن تستدعي كل هذا الغضب؟ ولماذا ظهر بهذه القوة حتى لدى يمنيين محسوبين على الدائرة السياسية الأقرب إلى السعودية؟

هنا، في تقديري، توجد المسألة التي تستحق القراءة. ما كشفته الواقعة هو أن الاصطفاف السياسي له حدود اجتماعية ووطنية. يمكن ليمني أن يكون قريبًا سياسيًا من السعودية، وأن يدافع عن سياساتها، وربما يرى في التحالف معها مصلحة سياسية لليمن، لكن ذلك لا يعني أن هذا القرب يتحول إلى قبول غير مشروط بكل ما يصدر من أفراد أو أصوات سعودية، خصوصًا عندما يُفهم الكلام باعتباره انتقاصًا من اليمنيين وهويتهم وكرامتهم.

وهذا التفصيل يقول شيئًا يتجاوز الأشخاص المشاركين في المساحة،هناك حساسيات وتراكمات في العلاقة اليمنية السعودية لا تمحوها التحالفات السياسية. فالعلاقة بين البلدين أقدم وأعقد من الحرب الحالية ومن الاصطفافات التي أنتجتها، ولهذا فإن رد فعل بهذه القوة، عندما يصدر أيضًا من الدائرة اليمنية الأكثر قربًا من الرياض، يستحق أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا اجتماعيًا وسياسيًا، حتى لو كانت الواقعة التي أظهرته صغيرة ومكانها مجرد مساحة على منصة «إكس».

لا أعتقد أن من الحكمة تضخيم الحادثة وتحويلها إلى أزمة يمنية سعودية؛ فهذا سيكون تحميلًا لها أكثر مما تحتمل. لكن ليس من الحكمة أيضًا تجاهل ما أظهرته: التحالف السياسي لا يعني بالضرورة قبولًا اجتماعيًا غير مشروط، والقرب من السعودية لا يلغي الحساسية اليمنية تجاه الكرامة والهوية الوطنية، وهناك حدود قد لا تلغيها حتى أقوى الاصطفافات السياسية.

ولهذا، فالسؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس فقط ما إذا كان خلاف في إحدى المساحات سينتهي باعتذار أو وساطة قبلية؛ ذلك هو الجزء الأصغر من القصة. السؤال الأبعد هو: هل تلتقط المؤسسات والنخب السعودية التي تتابع اليمن ما وراء هذا الغضب؟ وهل ستقرأه بوصفه حادثة عابرة، أم مؤشرًا صغيرًا على تراكم أكبر في المزاج اليمني؟

وهنا يصبح السؤال: هل ستفهم السعودية الرسالة؟