الأربعاء، 19 أغسطس 2026 | الموافق ٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

كيف يحول الحوثي خطاب الهزيمة إلى نصر ؟

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

الحوثيون لا يخوضون معركتهم في الميدان العسكري وحده، بل يديرون في الوقت نفسه معركة اخرى أكثر خطورة تدور حول المعنى، وكيفية تفسير الاحداث في وعي الناس.

فكل خسارة تتعرض لها الجماعة من قبل الجيش الوطني تعاد صياغتها امام الجمهور، لتصبح دليلاً على الصمود ،وكل تراجع يتحول في الخطاب الى خطوة على طريق النصر.

يتحول الصراع السياسي لدى الحوثيين، على السلطة والثروة الى قصة كبرى عن المظلومية والمقاومة ،وعندها يصبح انتقاد الجماعة في نظر مؤيديها بمثابة خيانة للقضية نفسها.

فالنصر عندهم لا يعني بالضرورة السيطرة على ارض جديدة، بل هو معنى رمزي تصنعه اللغة والاعلام والخطاب الديني، بحيث يتحول مجرد البقاء الى انتصار ،وتتحول الخسارة الى تضحية وتصبح الصعوبات اليومية مؤامره كونيه

وتعمل هذه الالية على اعادة تفسير كل واقعة بطريقة تخدم الرواية الحوثيه ،فمثلا منذ اسابيع تتعرض الجماعة لضربات عسكرية موجعة ، ففسروا للناس ان هذا دليل على قوة الجماعة، وعلى ان الاعداء يخافون منها ويحسبون لها حساب.

واذا سقط عدد كبير من القتلى يقدم ذلك على أنه تضحية نبيلة في طريق الحق ،لا خسارة يجب البكاء عليها ،وحين يضيق الحال الاقتصادي على الناس ويشتد الجوع يفسر ذلك بانه نتيجة حصار خارجي مفروض على الشعب، وليس نتيجة قرارات داخلية أو سوء ادارة .

وبهذا يتحول غضب الناس من تدهور معيشتهم الى تعاطف مع قيادة يقال انها تصبر مثلهم ،وتتحمل ما يتحملونه ،ويجد المواطن العادي نفسه محاصرا داخل قصة واحدة مغلقة، يصعب معها التمييز بين ما حدث فعلا وبين التفسير الذي يراد له ان يصدقه.

النصر عند الحوثيين لا يعني بالضرورة السيطرة على ارض جديدة، بل هو معنى رمزي تصنعه اللغة والاعلام والخطاب الديني، بحيث يتحول مجرد البقاء الى انتصار ،وتتحول الخسارة الى تضحية وتصبح الصعوبات اليومية مؤامره كونيه.

وتزداد هذه السردية قوة ،حين ترتبط بالدين وبالذاكرة التاريخية المشتركة ،فيتحول الصراع السياسي على السلطة والثروة الى قصة كبرى عن المظلومية والمقاومة ،وعندها يصبح انتقاد الجماعة في نظر مؤيديها بمثابة خيانة للقضية نفسها، لا مجرد اختلاف في الراي ،ويبقى الولاء قائما حتى مع غياب اي مكاسب حقيقية في الامن او المعيشة.

وهكذا تصبح الرواية محصنة ضد كل نقد، فكل خسارة يعاد تأويلها ،وكل فشل يفسر على انه جزء من خطة اكبر لا يفهمها الناس بعد ،وتتوارى معها الحاجة الى مراجعة السياسات أو التساؤل عن نتائجها الفعلية.

وفي مجتمع يعيش حرباً طويلة وفقراً متراكماً ،يتحول هذا التفسير الى وسيلة لمنح المعاناة معنى يجعلها اسهل على النفس، فيتحول الالم الى فخر، ويصبح الصمود وحده هدفا بديلا عن النتائج الملموسة على الارض

والسؤال الحقيقي هنا ليس هل انتصر الحوثيون أم انهزموا؟

لان هذا السؤال بحد ذاته يقع في الفخ الذي صنعته الرواية نفسها ،بل السؤال الاجدر هو كيف استطاعوا ان يعيدوا تعريف النصر ذاته؟

وان يجعلوا استمرار الحرب مبررا مهما بلغت كلفته على الناس والارض ،فالمعركة اذن ليست على خطوط القتال فقط، بل هي في جوهرها معركة على وعي المجتمع ،وعلى حقه في رؤية الحقيقة .