السبت، 29 أغسطس 2026 | الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

كان ياما كان... الحب مالي بيتنا

رصاصة الكلمة

تكفي كلمات أغنية "الحب اللي كان"، التي نستدعي معها صوت ميادة الحناوي ولحن بليغ حمدي العالق في الذاكرة، كي تفتح في داخل الواحد منا أبوابًا كثيرة؛ أبواب بيوت قديمة، وأصوات أمهات، وضحكات جيران، ووجوه أصدقاء فرّقتهم المدن والمنافي والحروب.

لكن ماذا لو لم يكن البيت في هذه العبارة بيت عاشقين فقط؟

ماذا لو كان البيت هو اليمن؟

كان ياما كان...

عبارة تبدأ بها الحكايات عادة، لكنها في اليمن أصبحت، من فرط ما فقدناه، تصلح لبداية كثير من أحاديثنا.

كان ياما كان لنا شارع نعرف معظم الذين يسكنونه. كان لنا جار نستطيع أن نطرق بابه من غير موعد ،كان للعيد رائحة مختلفة، وللمساء جلساته، وللبيوت أبواب لا تحتاج إلى كثير من الأقفال.

كان الناس يختلفون، نعم، لكنهم لم يكونوا يحتاجون في كل خلاف إلى أن يسأل أحدهم الآخر: من أي منطقة أنت؟ ومع من تقف؟ وإلى أي طرف تنتمي؟

ولست أكتب هنا مرثية لزمن مثالي لم يوجد قط. فاليمن الذي نتذكره لم يكن جنة. كانت فيه مشكلاته وفقره وصراعاته واختلالاته، وكانت فيه خصومات ومظالم كثيرة.

لكن شيئًا ما كان موجودًا بين الناس، أو هكذا نشعر اليوم ونحن ننظر إلى المسافة التي قطعتها حياتنا: شيء يشبه الألفة، ويشبه القدرة على العيش معًا رغم كل شيء ،كان الحب، بمعناه الواسع، يملأ البيت.

ولعل أكثر ما تفعله الحروب قسوة أنها لا تهدم المباني والجدران وحدها. الجدار المهدوم يمكن إعادة بنائه، والنافذة المكسورة يمكن استبدالها، والطريق المليء بالحفر يمكن تعبيده ذات يوم. لكن الخراب الأصعب هو ذلك الذي يحدث بصمت داخل النفوس والعلاقات.

حين يصبح الشك أسرع من الثقة، والخوف أقوى من الطمأنينة، والانتماء الضيق أكبر من الانتماء إلى المكان المشترك، نكون قد خسرنا شيئًا لا تظهره صور الدمار.
خسرنا جزءًا من البيت.

كم بيتًا يمنيًا اليوم ينقصه شخص؟

ابن غادر بحثًا عن عمل، وأب أنهكته الظروف، وأخ أخذته الحرب، وابنة تعيش في مدينة أخرى، وصديق حمل حقيبته إلى بلد بعيد وهو يقول إنه سيعود قريبًا، ثم مرّت السنوات ولم يعد.

صار اليمنيون موزعين بين الداخل والخارج، بين الوطن والغربة، بين حاضر ثقيل وذاكرة يحاولون الاحتماء بها.
ولهذا ربما تؤلمنا الأغاني القديمة أكثر مما كانت تفعل في زمنها. نحن لا نسمع الكلمات وحدها، بل نسمع معها حياتنا التي مضت.

نستمع إلى أغنية عن حب انتهى، فنتذكر مدينة تغيرت.
نسمع كلمة "بيتنا"، فنتذكر بيتًا بعناه، أو تركناه، أو لم نعد نستطيع الوصول إليه.

نسمع عن زمن كان فيه الحب حاضرًا، فنسأل أنفسنا من غير أن نقصد: متى أصبحت كل هذه المسافات بيننا؟
غير أن الحنين، إذا بقي حنينًا فقط، يمكن أن يتحول إلى نوع آخر من العجز.

ليس المطلوب أن نظل نقول: كان اليمنيون هكذا، وكانت عدن وصنعاء وتعز والحديدة وحضرموت وإب وذمار ومأرب وغيرها أجمل، وكان الناس أطيب.

فالذاكرة، مهما كانت جميلة، لا تبني وطنًا وحدها.
السؤال الأهم ليس: ماذا كان في بيتنا؟

بل: ماذا نريد أن يكون فيه غدًا؟
هل نستطيع أن نعيد إلى البيت اليمني شيئًا من الحب الذي فقده؟

والحب هنا ليس كلمة رومانسية ولا شعارًا ساذجًا. إنه أن نقبل بأن هذا البلد لا يمكن أن يكون لطرف واحد. أن نختلف من غير أن ننزع عن بعضنا حق الانتماء. أن نرى الإنسان قبل منطقته ومذهبه ودينه وحزبه واسمه العائلي.

أن نتذكر أن خصومات السياسة، مهما طالت، أصغر من حياة شعب وأقصر من عمر وطن.

إعادة الحب إلى البيت لا تحتاج إلى أغنية، بقدر ما تحتاج إلى شجاعة.

شجاعة الاعتراف بأن سنوات القسوة غيّرتنا ،شجاعة أن نسأل عن الغائب، وأن نصل ما انقطع، وأن نتوقف عن توريث أبنائنا كل خصوماتنا، وأن ندرك أن اليمن الذي لا يتسع إلا لمن يشبهنا لن يتسع في النهاية لأحد.

نحن بحاجة إلى وقفة مع النفس تبدأ من التفاصيل الصغيرة: من لغة حديثنا عن بعضنا، ومن الطريقة التي نختلف بها، ومن قدرتنا على ألا نحول كل حادثة إلى مناسبة للكراهية، وكل اختلاف إلى معركة هوية.

فالأوطان، مثل البيوت، لا تسقط دفعة واحدة ،تبدأ الحكاية حين يصبح كل شخص غريبًا عن الآخر ،وحين يجلس أفراد البيت الواحد في غرف منفصلة، وكل واحد منهم مقتنع بأن الآخر هو المخطئ وسبب المشكلة، لا يعود السقف المشترك وحده كافيًا لإنقاذ المنزل.

لهذا تبدو عبارة بسيطة من أغنية قديمة قادرة على اختصار شيء من حكايتنا:

"كان ياما كان الحب مالي بيتنا."
أما الحكاية التي ينبغي أن نكتبها نحن، فلا يجب أن تنتهي عند "كان".

ربما يكون أجمل ما يمكن أن يفعله اليمنيون، بعد كل ما مر بهم، أن يحوّلوا العبارة يومًا من ذاكرة إلى وعد:
أن يعود البيت بيتًا ،وأن يعود الذين فرّقتهم الطرق قادرين على الجلوس تحت سقف واحد.

وأن يصبح اختلافنا سببًا للحوار، لا ذريعة للقطيعة، وأن يأتي يوم لا نقول فيه لأبنائنا إن الحب كان يملأ بيتنا ذات زمن بعيد، بل نترك لهم بيتًا يجدون فيه من الحب ما يكفي كي لا يضطروا إلى البحث عنه في حكايات "كان ياما كان".