الأحد، 30 أغسطس 2026 | الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

عنـدمـا يكـون الاخـتيار لـرجـال الـدولة خـطـأ

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

ليـست كل أزمةٍ تبدأ من الشارع، ولا كل أزمةٍ تُصنعها الظروف، ولا كل أزمةٍ تكون الدولة ضحيةً لها.

ثـمة أزمـات تبدأ بقرارٍ في غرفةٍ مغلقة، حين يُختار الرجل الخطأ للمكان الخطأ، ثم يُترك المنصب ليثبت، مع مرور الوقت، أن الخطأ لم يكن في الأداء وحده، وإنما في الاختيار من الأساس.

وهـنا تصبح المسألة أكبر من وزيرٍ أخـطأ، أو قـرارٍ لم يكن موفَّقًا، أو تـصرُّفٍ أثار استياءً عـامًا.

"تصبح المسألة سـؤالًا عن كيف تُدار الدولة، وكيف يُختار رجالها".

فـ المـناصب العليا ليست مكافآتٍ سياسية، ولا مساحاتٍ لتجريب الأشخاص، ولا امتدادًا للعلاقات والنفوذ؛ إنها أمانةٌ عامة، وقرارُها في الأصل قرارٌ في مستقبل مؤسسة، وفي ثقة الناس بها، وفي صورة الدولة وهيبتها.

ولـهذا فـإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ المسؤول؛ فالخطأ واردٌ في كل إدارة.

الأخـطر أن تتكرر الأخطاء من موقعٍ يفترض أن يكون مصدرًا للاستقرار، ثم تجد الحكومة نفسها مضطرةً إلى دفع ثمنها سياسيًا، وتبريرها إداريًا، واحتواء آثارها أمام الرأي العام.

عنـدها لا يعـود السؤال: لماذا أخطأ المسؤول؟
بل يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا وُضع هذا المسؤول أصلًا في هذا المكان؟

"ذلك سـؤالٌ مشروع، بل هو من صميم المسؤولية السياسية".

فـ الـذي يملك سلطة الاختيار لا يستطيع أن يتنصل من نتائج اختياره. ومن يمنح ثقة لشخصٍ في موقعٍ حساس، عليه أن يدرك أن هذه الثقة ليست شأنًا شخصيًا بين مانحٍ وممنوح؛ إنها مسؤولية عامة، لأن نتائجها تمس مؤسسةً وحقوقًا ومصالحَ وسمعةَ دولة.

وإذا كان بعـض المسؤولين قد باتوا يتصرفون بما يجعل الحكومـة في حـرج، ويضعون رئاسـة الـوزراء أمام مواقـف لم تكن بحاجة إليها، ويفتحون ملفاتٍ من الجدل كان يمكن إغلاقها قبل أن تبدأ، فالمشكلة لم تعد في طريقة إدارة الأزمة فقط. المشكلة في أن الأزمة خرجت أصلًا من داخل البيت الحكومي.

وهـذه هـي الأخطر؛ فالحكومـة لا يُفترض أن تكون مشغولةً كل يوم بإطفاء الحرائق التي يشعلها بعض أعضائها بقراراتٍ متسرعة، أو مواقفَ غير محسوبة، أو اجتهاداتٍ تتجاوز حدود المسؤولية السياسية والقانونية.

"الحكومـة جُئت لإدارة أزمات البلاد، لا لصناعة أزمـاتٍ إضافـية لنفـسها".

ورئاسـة الـوزراء ليست مكتبًا لتصحيح أخطاء الآخرين بعد وقوعها، ولا ينبغي أن تتحول كل مرة إلى جهةٍ مطالبةٍ بتفسير ما لم يكن ينبغي أن يحدث أصلًا.

إن الـوزير الذي يملك صلاحية واسعة لا يملك دولةً خاصةً به، والاختصاص الوزاري ليس تفويضًا مفتوحًا، والقرار الإداري لا يكتسب المشروعية لمجرد أنه خرج من مكتبٍ يحمل صفةً رسمية.

فـ يجـب ان يُعرف، بأن كل سلـطةٍ في الدولة محكومةٌ بالقانـون، وكل قـرارٍ إداري يجب أن يقوم على أسـاسٍ سليم من الاختصاص والسبب والإجراء والغاية، وكل مسـؤولٍ يبقى، مهما علا موقعه، خاضعًا للمساءلة السياسية والقانونية.

وهـذه ليست مسألةً نظرية؛ فالـقرار غير المحسوب قد يتحول إلى أزمـة، والتـصرف غير المسؤول قد يتحول إلى إحـراجٍ للحكومة، والخـطأ الفردي حين يصدر من موقعٍ سـيادي قد يتحول إلى ضـررٍ مؤسـسي.

ومـن هـنا، فإن الصمت أمام تكرار الأخطاء ليس حكمة، كما أن الدفاع عن كل قرارٍ لمجرد أنه صدر من داخل الحكومة ليس تضامنًا حكوميًا.

أحـيانًا يكون أقوى موقفٍ حكومي هو أن تقول الدولة: أخـطأنا في الاخـتيار، ونصحِّـحُ الاخـتيار.
لا شـيء يهدم هيبة الدولة في ذلك، بل العكـس تمـامًا.

الـذي يهـدم هيبتها هو أن يرى المواطن الخطأ واضحًا، ثم يرى المؤسسة تعرفه، ثم ترى الحكومة تتردد في معالجته، ثم يصبح الدفاع عن الخطأ أهم من تصحيح آثاره.

هـناك لحظةٌ في إدارة الدول يجب عندها أن تتقدَّم مصلحة الدولة على الاعتبارات الشخصية، وحـين تأتي تلك اللحظة، فإن الإبقاء على المسؤول لمجرد أن تغييره قد يُفسَّر سياسيًا باعتباره تراجعًا، هو في حد ذاته قرارٌ سياسي أكثر كلفة من التغيير.

فـ الـدولة لا تُدار بمنطق الإحراج. ولا تُحمى هيبتها بالمكابرة. ولا تُقاس قوة الحكومة بقدرتها على حماية رجالها من النقد، وإنما بقدرتها على حماية مؤسساتها من سوء الإدارة.

وإذا كانت بعـض التطورات الأخـيرة قد كشفت شيئًا، فهي كشفت أن اختيار رجل الدولة ليس مسألة سير ذاتية وشهادات ومواقع سابقة فقط.

رجـل الـدولة يُعرف أيضًا بقدرته على ضبط نفسه قبل أن يضبط مؤسسته، وعلى تقدير نتائج قراره قبل توقيعه، وعلى معرفة حدود سلطته قبل استعمالها، وعلى فهم أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس ملكًا له، وأن كل كلمةٍ يقولها، وكل قرارٍ يصدره، قد يُقرأ باعتباره موقفًا للدولة.

وهـنا تحديـدًا ينبغي أن يُعاد النظر في فلسفة التعيين نفسها؛
هـل نختار من نـعرف؟
أم نخـتار من تحتاجه الدولة؟
هـل نكافئ الحـضور؟
أم نبحث عن الـقدرة؟
هـل ننظر إلى الشـهادة وحـدها؟
أم نـقرأ معها السيرة، والخبرة، والاتزان، والنزاهة، والقدرة على إدارة مؤسسة في ظرفٍ استثنائي؟

فـ البـلاد لا ينقصها أصحاب الألقاب. ولا ينقصها من يعرفون كيف يصلون إلى المناصب.

ما ينقصها هو من يعرف كيف يحمـل المنصب دون أن يصبح المنصب عبئًا على الدولة.

وهـذا هو الفـارق بين شـاغل المنصب ورجـل الدولة.
الأول يستمد قوته من الكرسي.
أما الثاني فيُضيف إلى الكرسي قيمةً وهيبةً.

ولـذلك، فـإن ما يجري اليوم يجب ألا يُـقرأ بعين الخـصومـة مع أحـد، ولا بمنطـق تصفية الحسابات، وإنما بعـينٍ أكثر مسؤولية:

هـل تخـدم هذه الاختيارات الدولة فـعلًا؟
فإن كانت الإجابة نعـم، فليستمر أصحابها، وليُحاسبوا على نتائجهم.

وإن كانت الإجابة لا، فإن الاستمرار يصبح هو الخطأ الأكبر.
لأن الدولة التي تخشى تغيير اختيارٍ غير موفـق، ستدفع غدًا ثمنًا أكبر من مجرد تغيير شخص.

ستدفـع من ثـقة الناس. ومن هيـبة المؤسسات. ومن رصـيد الحكومة. ومن الوقـت الذي تحتاجه البلاد أصلًا للخروج من أزماتها.

الوطـن يا من بيـدكم قرار الفصل، لا يحتمل أن تكون بعض المناصب العليا مصدرًا لأزمـاتٍ جـديدة، ولا يحتمل أن تتحول الحكومة إلى طـرفٍ في الدفـاع عن أخطاء كان يمكن تفاديها بحسن الاختيار.

لقـد طـال زمن المجاملات. وحـان زمن المعايير، وحـان أن يُقال بوضوحٍ، دون أسماء، ودون خصومة، ودون حسابات شخصية:

"ليـس كل من يصلح لأن يكون مسؤولًا يصلح لأن يكون رجل دولة".

ومـن هـنا، فـإن الرسـالة إلى أصحاب القرار ليست تغييرًا من أجل التغيير، وإنما شيءٌ أبسط وأعمق:

اخـتاروا من يحـمي الدولة من أخـطائه، لا من يجـعل الدولة تحـميه من أخـطائه.

.