أشار عليّ بعض الأصدقاء بأن أكرّس وقتًا للتسويق لصفحاتي في منصات التواصل. والحقيقة أنني لم ألتفت يومًا إلى معادلة الربح والخسارة بمفهومها المادي والتجاري الضيق .
أؤمن أن مهمة المثقف والمهتم بالشأن الوطني والعام، هي أن ينشر أفكاره وآرائه . فالفكرة إن لم تُقَل تحوّلت إلى عبء، وإن قيلت صارت مسؤولية. الكلمة أمانة لا تُعرض في سوق الإثارة، والرسالة شرف لا يُقاس بعدد المتابعين.
لا أفكر مطلقًا في ذلك الاستقطاب الكمّي الذي غايته الشهرة ووفرة الاسماء والأرقام . نعم، الفضاء اليوم مفتوح، ويمكن استغلال كل جديد ومثير وخطير فيه لتحقيق مكاسب مادية وتجارية، لكن من يكتب وفي قلبه قضية، لا يبيع حرفه لمن يدفع أكثر .
لقد تحوّلت حوارات "البودكاست" على يوتيوب، ومنصات إكس، وتيك توك، وفيسبوك، إلى سوق رائجة للتفاهة والإغراء والبذاءة. والقليل النادر منها فقط هو من يقدّم مادة تُجلّ العقل وتوقظ الضمير .
وليس غريبًا أن تجد أغنية هابطة أو موضوعًا تافهًا وقد بلغ العالمية في ساعات، بينما الفكرة العميقة تمشي على استحياء وخجل في زحام الضجيج . وشتان ما بين الرصانة والعمق وبين الثرثرة والضجيج ؛ فالضوضاء تصعد وتموت سريعًا ، أما الكلمة الصادقة فتبقى كالجمرة في ضمير من قرأها.
تابعتُ قلةً حاولت تقديم محتوى فكري ومعرفي، لكنها في النهاية أُحُبطت وانسحبت، دون أن يسأل عنها أحد أو يجد من يعينها على الاستمرار، وكأن الجاد في زمن الخفّة غريبٌ يُستأذن في البقاء .
أصارحكم القول : جلّ ما يشغلني هو الكتابة والنشر، وما عدا ذلك لا أبالي بمن يأتي أو يغادر . فالقارئ الحقيقي لا يُعدّ بالأرقام، وانما في الأثر. ومن يكتب لتنمية الوعي وإيقاظ الضمير لا ينتظر تصفيقًا ، بل ينتظر وطنًا ومجتمعًا .
نعم ، لي وجه واحد، وكل ما أفكر فيه هو استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء الحرب، وإحلال السلام. أدعم مسار التغيير، ومنحازٌ للمستقبل الذي ننشده ؛ دولة يمنية اتحادية عادلة. يزعل من يزعل، ويحنق من يحنق، ويسخط من يسخط، ويغضب من يغضب .
هذه قضايا وطنية مؤرقة وثقيلة، تستحق ما هو أكثر من حسابات الربح والخسارة على منصات التواصل . فالقضايا الوطنية الكبيرة لا يُساوَم عليها ، والمسألة لا تُقاس بالانتشار والضجيج أو بكثافة المتابعين ، فيكفي أن يكون لديك عشرة أو مئة بعقولهم ومعارفهم ، خير من مليون ، ثلاثة أرباعه لا يأتيك منهم إلا الإساءة والشتيمة وووالخ .
ولعل أدق توصيف لحالنا اليوم قصة المفكر الراحل عباس محمود العقاد مع المونولوجست الشعبي الشهير الراحل محمود شكوكو.
سأل صحفي العقاد: من أكثر شهرة أنت أم شكوكو؟ فأجاب العقاد مستغربًا : مَن شكوكو؟
وحين بلغ الأمر شكوكو، قال للصحفي: قل لصاحبك العقاد ينزل ميدان التحرير، وأنا سأقف على الرصيف المقابل، ولنرَ على من ستتجمع الناس!
فجاء رد العقاد حاسمًا : قولوا لشكوكو ينزل ميدان التحرير ويقف على رصيف، ويجعل راقصة تقف على الرصيف الآخر، وليرَ الناس على من ستتجمع أكثر!
كلمات قليلة من العقاد، لكنها عميقة وقاسية . فهناك فرق شاسع بين شهرة تأتي من التهريج وإثارة الغرائز، وبين شهرة تأتي مما يقدمه الإنسان من قيمة معرفية وفكرية تنمّي العقل وتصقل الروح وتشحذ الهمم.
لا أدري كيف كان العقاد سيصف حالنا اليوم مع الترندات ومحتواها الهابط والمبتذل والسفيه أحيانًا ؟ وكيف أصبحت الجماهيرية سوقًا رائجة للتفاهة والبذاءة، حتى صار الشتم والقذف والتشهير أهم من الفكرة القيّمة والمحتوى الجيد والكلمة الصادقة .





