تخطط السعودية، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، لتأسيس برنامج تأمين مدعوم حكوميًا لتوفير تغطية للسفن والبضائع التي تعبر مناطق تشهد مخاطر أمنية مرتفعة.
وقالت الصحيفة إن الرياض أجرت بالفعل محادثات مع وسطاء تأمين في لندن بشأن البرنامج، الذي تبحث من خلاله توفير تغطية تأمينية تصل إلى 700 مليون ريال سعودي، ما يعادل نحو 186 مليون دولار، لكل حادث، بما في ذلك احتجاز سفينة أو تعرضها لهجوم.
وتأتي الخطوة السعودية في أعقاب تعرض ناقلة النفط السعودية «سدر»، التابعة للشركة الوطنية السعودية للنقل البحري «البحري»، لهجوم أثناء عبورها مضيق هرمز، الاثنين، في حادث أسفر عن مقتل بحارين فلبينيين.
وكانت وزارة الخارجية السعودية قد أدانت استهداف الناقلة، معربة عن أسفها لسقوط قتلى جراء الحادث.
ولم يكن حادث «سدر» الأول من نوعه، إذ تعرضت ناقلة نفط عملاقة تابعة لشركة «البحري» لهجوم في يوليو الماضي أثناء عبورها مضيق هرمز قرب السواحل العُمانية، فيما تعرضت سفينتان أخريان تابعتان للشركة لهجومين في البحر الأحمر خلال يوليو وأغسطس.
وتزايدت المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في المنطقة مع استمرار التهديدات الإيرانية باستهداف ناقلات تحاول عبور مضيق هرمز دون الحصول على تصريح منها، الأمر الذي انعكس على حركة شحن الطاقة من دول الخليج.
ويهدف البرنامج السعودي المرتقب إلى توفير تغطية تأمينية بتكلفة أقل من الأسعار المرتفعة التي تواجهها السفن حاليًا عند الإبحار في مناطق عالية الخطورة، بما يساعد على استمرار حركة الملاحة التجارية.
ارتفاع تكاليف التأمين
وتأتي الخطة في وقت شهد فيه سوق التأمين البحري تغيرات كبيرة منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، إذ تراجعت حركة السفن عبر مضيق هرمز، وأوقفت بعض شركات الشحن والتجارة رحلاتها، بينما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن التي واصلت الإبحار.
ومع ذلك، لم تتوقف خدمات التأمين بشكل كامل. وأظهر مسح أجرته رابطة سوق «لويدز» في مارس أن معظم شركات التأمين ظلت مستعدة لتغطية السفن والشحنات، لكن مع زيادة التكاليف وتعديل شروط التغطية.
وتُعد رابطة «لويدز» أحد أكبر أسواق التأمين في العالم، وتضم شركات ووسطاء يوفرون تغطيات لمجموعة واسعة من المخاطر، من بينها مخاطر الحرب.
وقال عيد العيد، المستشار الاقتصادي السابق في الصندوق السعودي للتنمية، إن بعض شركات التأمين استفادت من ظروف الحرب لرفع الأسعار وتقليص حجم المخاطر التي تتحملها، وهو ما دفع السعودية إلى البحث عن آلية جديدة تضمن توفير التغطية التأمينية اللازمة.
وتعتمد شركات الشحن على أنواع متعددة من التأمين، من بينها التأمين الذي توفره نوادي الحماية والتعويض المعروفة باسم «P&I Clubs»، لتغطية مسؤوليات لا تشملها وثائق التأمين التقليدية.
كما تعتمد شركات التأمين بدورها على شركات إعادة التأمين لتوزيع المخاطر وتقليص حجم الخسائر المحتملة.
ومع ارتفاع مخاطر الحرب، قلصت بعض شركات إعادة التأمين تغطيتها لمخاطر معينة، ما دفع بعض النوادي البحرية إلى إلغاء أجزاء من تغطيات مخاطر الحرب أو تعديل شروطها.
في المقابل، أبقت شركات أخرى على تغطياتها للمناطق عالية الخطورة، لكن بتكاليف أعلى وشروط تختلف بحسب طبيعة الرحلة والمناطق التي تمر بها السفن.
ويؤدي ارتفاع تكاليف التأمين عادة إلى زيادة كلفة الرحلات، لكن غياب التغطية التأمينية قد تكون تداعياته أكبر، إذ قد يدفع شركات الملاحة إلى تعليق رحلاتها بالكامل.
وفي يونيو الماضي، أعلن سوق «لويدز» تأسيس تجمع جديد للتأمين ضد مخاطر الحرب، بهدف توفير تغطية إضافية للسفن والبضائع العابرة لمضيق هرمز، مع تقييم كل حالة وفق مستوى المخاطر وطبيعة الرحلة.
وبلغت تكلفة التأمين على السفن العابرة لمضيق هرمز ما بين 7.5 و10% من قيمة هيكل السفينة في يوليو، مقارنة بنحو 1 إلى 3% قبل أسابيع، وفق بيانات منصة «S&P Global».
وامتدت الضغوط التأمينية مؤخرًا إلى البحر الأحمر، في ظل استمرار هجمات الحوثيين على الملاحة البحرية.
ويرى العيد أن البرنامج السعودي يمكن أن يسهم في خفض تكاليف التأمين، لكنه أوضح أن دخول الحكومة إلى قطاع التأمين لا يعني تحملها كامل النفقات، وإنما يمكن أن يقتصر على تغطية جزء من المخاطر التي تتحفظ شركات التأمين الخاصة عن تحملها حاليًا، مع استمرار القطاع الخاص في توفير الجزء الآخر من التغطية.
هرمز شريان رئيسي للطاقة
ويمر عبر مضيق هرمز في الظروف الطبيعية نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات النفطية، ما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
ومنذ اندلاع الحرب، تراجعت حركة نقل النفط عبر المضيق بشكل كبير، ما دفع بعض دول الخليج إلى خفض إنتاجها نتيجة تعطل حركة السفن ومحدودية طرق التصدير البديلة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن توفير آليات مناسبة للتأمين، إلى جانب حماية السفن، يمثل عاملًا أساسيًا لاستعادة تدفقات النفط عبر مضيق هرمز إلى مستوياتها الطبيعية، وهو ما قد يساهم في خفض أسعار النفط، مع التأكيد على أن ارتفاع تكاليف التأمين لا ينعكس بالضرورة على أسعار النفط بالنسبة نفسها.
وأوضح علي الريامي، المدير العام السابق بوزارة الطاقة والمعادن العُمانية، لـ«الحرة»، أن الزيادة في تكاليف التأمين تُضاف إلى تكلفة نقل النفط إلى الأسواق، بينما يحدد وضع السوق الطرف الذي سيتحمل هذه الزيادة.





