الجمعة، 11 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

الفشل التاريخي المزمن للسعودية في اليمن

فكرت أدلي بلوي في نقاش الإلحاد والإيمان

فشلت السعودية في كل تدخلاتها في اليمن في آخر ستين سنة: فشلت في تدخلها ضد الجمهورية ونجحت الثورة، وفشلت في رفضها للوحدة ونجحت الوحدة في التحقق عام 1990 وفي البقاء بعد 1994. وفشلت في عاصفة الحزم وتمكنت الميليشيا الحوثية العنصرية من الإطباق على أعناق عاصمة اليمنيين، وفشلت في محاولة هندسة الوضع في الجنوب بعد إقصاء الإمارات وخلقت وضعًا قلقًا وهشًا قابلًا للانفجار أو السقوط.

هذا الفشل التاريخي المزمن ناتج عن نفس الأسباب:

●  القناعة السعودية المزمنة أن يمنًا قويًا وموحدًا ليس في مصلحتها.

● رغبة السعودية في التعامل مع اليمنيين كأتباع وليس كشركاء.

● اعتقاد السعودية أن الجوار الجغرافي وحده يعطيها حق التحكم المنفرد والمطلق في الملف اليمني.

هذا التعاطي غير الواقعي وغير الناضج مع الملف اليمني كان يدفع اليمنيين للذهاب بعيدًا في تحالفاتهم: تحالف الجمهوريون مع مصر، وتحالف صالح مع العراق، وتحالف الحراك مع الإمارات، وتحالف الحوثيون مع إيران. وعندما تصحو السعودية متأخرة لا تجد أمامها حلًا إلا الاعتراف بالأمر الواقع والتعامل معه.

لكن الوضع اليوم ليس كالأمس.

لم تكن دولة الجمهورية اليمنية ولا دولة الوحدة تطمح للقضاء على السعودية ككيان سياسي، ولم يكن لديها عداء وجودي معها. كان الصراع سياسيًا وكان ينتهي بالوصول إلى أرضية مشتركة.

الوضع مع الحوثي مختلف. الحوثية لديها عداء وجودي مع السعودية لن ينتهي حتى لو ركعت السعودية لكل المطالب الحوثية. بل إن السعودية ستجد نفسها في حالة خضوع دائمة "للدولة" الحوثية لو نجحت في سيطرتها على الشمال أو الشمال والجنوب.

اليمن ليست فيتنام السعودية. هذا تعبير مضلل ومخفف. إن سيطرة الحوثية على الحكم ستكون شبيهة بهجوم القبائل الجرمانية على روما المثقلة بأزماتها الاقتصادية وباعتمادها العسكري على الأغراب.. تلك الهجمات التي انتهت بسقوط عاصمة روما في يد القبائل المهاجمة!

هذا تشبيه غير دقيق في تشابهاته لكنه أقرب لوصف ما يمكن أن يحدث.

هناك فارق مهم اليوم هو أن السعودية اليوم تقف مع الصف الجمهوري ومع الجانب الصحيح من التاريخ، لكنها تخطئ عندما تحاول تفريغ القوى المناهضة للحوثي من استقلاليتها ومن حضورها المحلي، وتحويلها إلى أتباع.

هذه هي الخدمة التي تقدمها السعودية بشكل غير مباشر للحوثية وإيران. وما سقوط المخا إلا نموذج لتفريغ قوى المقاومة في الساحل من استقلاليتها ومنع الدعم عنها والرغبة في تقزيمها لتدخل تحت المظلة السعودية.

والنتيجة اليوم أن الحوثيين وصلوا إلى جزيرة ميون التي تمكنهم من تعطيل حركة الملاحة في باب المندب. وهي لحظة الحقيقة التي يجب أن تفهمها السعودية لتعرف أن بقاءها الوجودي مرهون اليوم ببناء حلفاء يمنيين مستقلين وأقوياء لا بخلق أتباع مشوهين ومهزومين.