هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا يعود السؤال فيها ماذا نريد نحن؟ بل يصبح السؤال الأكبر ماذا نريد لليمن؟ واليوم يقف اليمن أمام سؤال مصيري هل نستعيد دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها ومصالحها، أم نبقى أسرى الانقسام والسلاح ومشروعات القوى المرتهنة؟
فهذه ليست معركة شمال ضد جنوب، ولا جنوب ضد شمال، ولا شرق ضد غرب وليست حرباً على قبيلة أو حزب أو مذهب. إنها معركة الدولة، الدولة التي تعني أن يكون هناك قانون واحد، ومؤسسات واحدة، وجيش وطني، وأمن وطني، وسلطة قادرة على حماية المواطن والسيادة والمصالح الوطنية.
ان رفض المشروع الحوثي لا يعني رفض مذهب ديني، ولا يعني استهداف جماعة اجتماعية أو منطقة جغرافية. اليمنيون بمذاهبهم ومناطقهم وقبائلهم وأحزابهم، شركاء في وطن واحد، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المذهب إلى مشروع سياسي مغلق، والسلاح إلى وسيلة لفرض الإرادة، وتصبح الدولة ومؤسساتها رهينة لقوة مرتهنة ولا تقبل الشراكة الوطنية الحقيقية.
لذلك فإن القضية ليست من أي مذهب أنت؟ بل السؤال الحقيقي هو هل أنت مع دولة يمنية واحدة اولاً أم مع مشروع يتجاوز الدولة؟ وهذا هو المعيار الذي يجب أن يجمع اليمنيين.
وليس مطلوباً من كل يمني أن يكون جندياً، لكن لا أحد معفي من خدمة وطنه الجندي يحمي الدولة، والأستاذ يبني الوعي، والطبيب يحمي حياة الناس، والمهندس يبني المستقبل، والاقتصادي يحمي موارد البلاد، والإعلامي يحمي الحقيقة، والتاجر يحرك الاقتصاد، والموظف يحمي المؤسسة من الفساد، والسياسي مطالب بأن يضع اليمن قبل الجماعة والحزب والمصلحة الشخصية.
وهنا يجب أن تتغير نظرتنا للحرب. فالحرب ليست هدفاً في ذاتها، والغاية ليست استمرار القتال إلى ما لا نهاية، وإنما أن تنتهي هذه المرحلة بقيام دولة أقوى من أسباب الحرب، دولة تستطيع أن تحمي نفسها وتوفر الأمن والاستقرار وتفتح الطريق أمام التنمية والعيش الكريم.
وقد يبدو للبعض أن ما يحدث في اليمن قضية داخلية فقط، لكن موقع اليمن يجعل الأمر أكبر من ذلك بكثير. فاليمن يقف عند واحدة من أهم النقاط الجغرافية في العالم، وباب المندب ليس مجرد مضيق مائي على الخريطة، بل بوابة تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وترتبط عبرها مصالح التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأمن المنطقة.
ولهذا فإن ضعف الدولة على الأرض لا يبقى شأناً يمنياً داخلياً، فعندما تضعف الدولة، يضعف معها أمن الساحل والموانئ والممرات البحرية، وعندما تقوى الدولة، تستطيع حماية أرضها ومياهها ومصالحها، وتصبح شريكاً في أمن المنطقة والعالم.
ومن نعم الجغرافيا السياسية لليمن أنه يقع إلى جوار المملكة العربية السعودية، الجار الأكبر الذي يرتبط أمن اليمن واستقراره بأمنه واستقراره وبأمن المنطقة عموماً. وقد وقفت ولا زالت المملكة إلى جانب اليمن سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، وتدعم مسار استعادة مؤسسات الدولة والاستقرار، والوفاء الحقيقي لهذا الدعم لا يكون بالكلمات وحدها.
بل بأن نبني دولة تستحق أن تكون قوية؛ دولة مستقرة، مسؤولة، تحمي حدودها ومياهها، تحارب الفساد، تنتج اقتصادها، تحترم مواطنيها، وتكون شريكاً حقيقياً لجيرانها والمجتمع الدولي.
وفي هذه المرحلة لا يمكن تجاهل التضحيات الكبيرة التي يقدمها الجيش الوطني وقوات درع الطن وقوات العمالقة والتشكيلات العسكرية والشعبية الأخرى التي تقاتل في مختلف الجبهات دفاعاً عن مشروع استعادة الدولة
وهنا يأتي السؤال الأهم: ماذا نريد بعد الحرب؟ إننا نريد سلاماً يحمي الدولة، لا سلاماً يؤجل الحرب القادمة. ونريد أن يتحول اليمن من ساحة صراع إلى دولة تمتلك موقعها وثروتها وقرارها.
ولهذا لا ينبغي لأي يمني أن يقول: أنا شمالي وهذه ليست قضيتي، أو أنا جنوبي وهذه ليست قضيتي، أو أنا شرقي أو غربي ولا علاقة لي بما يحدث. اليمن واحد في أزمته، ويجب أن يكون واحداً في مشروع إنقاذه.
وليس المطلوب أن نحمل جميعاً السلاح؛ المطلوب أن نحمل جميعاً مسؤولية الوطن، فمن أراد دولة قوية، عليه أن يكون جزءاً من بنائها. ومن أراد سلاماً دائماً، عليه أن يساعد في بناء أسباب السلام. ومن أراد حماية باب المندب، فعليه أن يدرك أن حماية البحر تبدأ من بناء دولة قوية على الأرض.
ومن أراد مستقبلاً لأبنائه، فعليه أن يدرك أن مستقبل الأبناء لا يُبنى في ظل دولة ضعيفة ومؤسسات منقسمة.
فالمعركة الحقيقية هي بين الدولة والفوضى، والمؤسسة والسلاح المنفلت، والقانون ومنطق القوة، والاستقلال الوطني ومشروعات الارتهان.
اليمن أولاً - الدولة أولاً - القانون أولاً - والمستقبل أولاً.
فحين تستعيد اليمن دولتها، لن يكون ذلك انتصاراً لطرف على طرف. بل سيكون انتصاراً لليمن على كل ما أنهك اليمن.





