إذا صحت التقارير التي تتحدث عن طلب السعودية مقاتلين سوريين إلى اليمن، فهذه لحظة تستحق التوقف، ليس لأن السوريين ينقصهم الاستعداد للقتال، ولا لأن اليمن يفتقر إلى الرجال، وإنما لأن السؤال الذي يجب أن يطرح في الرياض هو: لماذا ما زلتم تبحثون عن مقاتلين خارج اليمن، بعد سنوات من الحرب، بينما تركتم اليمنيين الذين يستطيعون تغيير المعادلة خارج الحساب؟.
تارة تتجهون إلى واشنطن، وتارة إلى إسلام آباد وأنقرة، واليوم تتحدث التقارير عن دمشق. تحالفات تتبدل، وقوى يبحث عنها، ومقاتلون يستقدمون، بينما تبقى الشرعية اليمنية موزعة القرار، ومؤسسات الدولة ضعيفة، وقوى يمنية واسعة جرى إقصاؤها لأنها لم توافق على الطريقة التي أديرت بها الحرب..
هذه هي المشكلة الحقيقية، وليست مشكلة عدد المقاتلين.
دخلت السعودية اليمن تحت عنوان دعم الشرعية وحماية اليمنيين من الحوثيين. لكن بعد كل هذه السنوات، أصبح من حق اليمني أن يسأل: كيف جاءت المملكة لحماية اليمنيين، ثم أصبحت تبحث عمن يحميها من الحوثيين!.؟
هذه المفارقة لا تحتاج إلى مزيد من التحالفات، بل إلى مراجعة صريحة للسياسة التي أنتجتها.
السعودية سعت إلى التسوية السياسية، وهذا الطريق لا غنى عنه. لكن التفاوض مع الحوثيين بمعزل عن الشرعية اليمنية أضعف الطرف الذي يفترض أن يكون شريكا أساسيا في صناعة السلام. وفي المقابل، لم يبن على الأرض توازن عسكري وسياسي يفرض تسوية حقيقية..
لا يمكن الوصول إلى السلام من دون قوة تفرض شروط التفاوض، ولا يمكن بناء القوة من دون مشروع سياسي واضح..
المطلوب ليس حربا جديدة بلا أفق، وإنما عمل عسكري يغير ميزان القوى ويفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنتهي باستعادة الدولة اليمنية، لا باستبدال حرب بحرب أخرى!.
أما استقدام مقاتلين من الخارج، فإذا حدث، فسوف يمنح الحوثيين خدمة سياسية مجانية، إذ سيقدم لهم فرصة لإعادة تصوير الحرب باعتبارها صراعا تخوضه قوى أجنبية على أرض اليمن، لا معركة يمنية لاستعادة الدولة..
والمشكلة أن هذه الخطوة لن تعالج أصل الأزمة، فاليمن لا ينقصه الرجال..
في اليمن رجال قاتلوا الحوثيين، ورجال يمتلكون الخبرة السياسية والعسكرية، ورجال حاولوا طوال السنوات الماضية أن يقولوا للرياض أين أخطأت. لكن بدلا من الاستماع إليهم، جرى التعامل مع بعضهم كخصوم..
وهنا تحديداً ينبغي أن تكون المراجعة.
استدعوا اليمنيين الذين اختلفوا معكم. استمعوا إلى من حذركم من أخطاء الماضي. افتحوا المجال أمام القوى التي تمتلك مشروعا حقيقيا لاستعادة الدولة. لا تجعلوا الولاء للسياسة السعودية شرطا للمشاركة في إنقاذ اليمن..
فكلما بحثت الرياض عن تحالف جديد خارج اليمن، كلما فقدت شيئا من ثقة اليمنيين داخل اليمن..
والأخطر أن الاستمرار في إضعاف مشروع الدولة اليمنية قد ينتهي إلى نتيجة لا تريدها السعودية نفسها: دولة يمنية أكثر ضعفا، ومراكز قوى أكثر تعددا، وحدود أكثر اضطرابا، وتهديد أمني دائم للمملكة ودول الخليج..
لا ينبغي أن تتحول الحرب إلى غاية.
ولا ينبغي أن يصبح الحوثي هو المشروع الوحيد الذي تعرف السعودية كيف تواجهه، بينما تغيب عنها الرؤية المتعلقة بما يجب أن يكون عليه اليمن بعد الحوثي..
إذا أردتم تغيير موازين القوى، فلا تبحثوا أولا عن مقاتلين جدد، ابحثوا عن اليمنيين الذين أقصيتموهم.
وإذا أردتم تسوية سياسية حقيقية، فلا تجعلوا التفاوض مع الحوثيين بديلا عن الشرعية، بل اجعلوه جزءا من تسوية يمنية شاملة..
وإذا أردتم أمنا دائما للمملكة، فلا تحاربوا فكرة استعادة الدولة في اليمن. لأن إضعاف الدولة اليمنية لن يجعل السعودية أكثر أمنا، بل قد يجعلها تواجه، على حدودها الجنوبية، واقعا أكثر خطورة من الواقع الذي دخلت الحرب لتغييره..
يا محمد بن سلمان..
لا تبحث عن مقاتلين في سوريا. ابحث عن اليمن الذي تجاهلتم جزءا من رجاله، وأقصيتم جزءا من قواه، ولم تستمعوا بما يكفي إلى تحذيراتهم!.
اليمن لا ينقصه الرجال.
اليمن ينقصه قرار رشيد، ورؤية واضحة، وقيادة توحد اليمنيين حول هدف واحد: استعادة الدولة ثم الذهاب إلى سلام يحفظ لليمن وحدته وسيادته، وللسعودية أمنها ومصالحها..
لقد جربتم طرق كثيرة، فلا تسيروا بالطريق نفسه مرة أخرى، ثم تنتظروا نتيجة مختلفة!.





