ليس في السياسة والحروب ما يبعث على السخرية المرة أكثر من منظر «خبير غربي» يجلس في مكتبه الوثير والمكيّف بلندن أو واشنطن، محتسياً قهوته الصباحية، ليدبّج الفصول المطولة عن تحوّل ميليشيا عقائدية عنصرية إلى «قوة محلية صاعدة» تمتلك «أجندة إصلاحية وقراراً مستقلاً»؛ قبل أن يتكفل زعيم تلك الميليشيا نفسه بتمزيق أوراق الخبير على رؤوس الأشهاد بالمدفع والصاروخ الباليستي!
لقد وضع المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، أمام العالم كشف حساب رقمياً لا يقبل التأويل، يغطي الفترة من مارس 2016 حتى أكتوبر 2026؛ فمنذ هدنة عام 2022 وحدها، بلغت اعتداءات الحوثيين 175 صاروخاً باليستياً، و330 طائرة مسيّرة، و2,229 مقذوفاً أطلقتها مسيّرات، و28,121 مقذوفاً.
إضافة إلى 3 حالات لزراعة الألغام. أما الحصيلة الإجمالية لما أطلقته الجماعة على المملكة العربية السعودية منذ بدء العمليات، فبلغت 1,104 صواريخ باليستية و1,135 طائرة مسيّرة، أسفرت اعتداءاتها المباشرة على المطارات المدنية عن 19 وفاة و364 إصابة.
هذه الأرقام الصارمة، مقترنةً بانقلاب الحوثيين على التهدئة، واستهدافهم أمس مقر الحكومة الشرعية في قصر «المعاشيق» بعدن بخمسة صواريخ، وقصف أحياء مأرب بستة عشر صاروخاً ومقذوفاً، تضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقة المشروع الحوثي.
فمن سيطرتهم على مديريات الساحل الغربي إلى باب المندب قبل أن يُستعاد منهم، إلى توغلهم في مديريات الحجرية والتربة وإطباق الحصار من أربع جهات على ما تبقى من مدينة تعز التي تصدّت لهجومهم الضاري في «جبل هان»، بالتوازي مع محاولة تهديد الملاحة الدولية؛ كلها حقائق ميدانية تقطع بأن الجماعة في صراع وجودي مع فكرة «الدولة».
الحوثي يريد موارد الدولة واعتراف العالم بها، لكنه يرفض التنازل عن سلطة «التنظيم المسلح»؛ لأن وظيفته كذراع لإيران ليست حكم اليمنيين وإطعامهم، بل استهداف أمن المملكة، واجتثاث الشرعية، وابتزاز العالم عند الممرات البحرية.
أمام هذا الواقع، عدتُ لتقليب صفحات الكتاب الصادر بالإنجليزية عام 2022 عن دار «بلومزبري» بالتعاون مع «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» بعنوان "الحركة الحوثية في اليمن: الأيديولوجيا والطموح والأمن في الخليج العربي" (تحرير د. عبد الله حميد الدين)؛ لأختبر أطروحات بعض الباحثين الغربيين الذين راهَنوا على قابلية التنظيم لـ«التمدين»، في مقابل صدق التحذيرات المبكرة لأبحاث رصينة نُشرت داخل الكتاب نفسه ومن المركز ذاته.
ففي الوقت الذي وضع فيه قائد المشاة البريطاني المتقاعد جيمس سبنسر في الفصل الثاني عشر «علامة استفهام» في عنوان دراسته (2015–202?) لأن الحرب لم تكن قد وضعت أوزارها حين دُفع الكتاب إلى المطبعة، تطوّع عبد الملك الحوثي مشكوراً بالإجابة عن علامة الاستفهام البريطانية بمئات الصواريخ والمسيّرات بعد هدنة 2022! لقد أُعطي الحوثي من الفرص والإغراءات السياسية والاقتصادية وفتح الموانئ والمطارات ما لم تحلم به أي جماعة مسلحة.
لكنه استغل منطق التهدئة الأممي الخاطئ ليغافل الجميع مع إيران ويعيد بناء ترسانته الهجومية. ورغم أن المستشرق الروسي سرغي سيريبروف التقط (في نوفمبر 2025) بعض فصول الكتاب للزعم بأنه ينزع المصداقية عن كون الحوثيين «وكيلاً إيرانياً»، فإن الحصافة السياسية تدرك أن إتاحة منبر بحثي في الرياض لنقاش أقصى ما في جعبة الأكاديميا الغربية .
لم تكن غفلةً؛ بدليل أن مركز الملك فيصل نفسه أصدر دراسات تأصيلية عرّت جذور الجماعة، كدراسة الباحث السعودي الدكتور حمد بن سليمان التركي التي كشفت تقاطعات فكر حسين الحوثي مع الحركية الثورية للإخوان المسلمين ودمجها بالخمينية، بينما أقام الصبر الاستراتيجي السعودي الحجة الدامغة أمام العالم على استحالة ترويض الميليشيا.
وحتى محرر الكتاب نفسه (د. عبد الله حميد الدين) أقرّ بصراحة في الصفحة العاشرة من المقدمة بأن فصول الكتاب أغفلت خمسة ملفات حاسمة: «الهاشمية، وعوامل الصمود، وبنية القيادة، وثقافة العسكرة، ومحور المقاومة». والعجب كل العجب أن تغيب هذه الملفات الخمسة تحديداً، ثم يأتي الجغرافي الأمريكي تشارلز شميتز في الفصل العاشر ليحدثنا بجدية يُحسد عليها عن سعي الحوثيين لتأسيس «جمهورية يمنية مُصلَحة» عبر وثيقة «الرؤية الوطنية 2019».
وهو تنظير ينقضه شميتز نفسه حين يقرّ بأنهم ينفذون «انقلاباً بطيئاً» على النظام الجمهوري، وأن السيادة الفعلية تقبع في يد عبد الملك الحوثي خارج المؤسسات والدستور.
لقد نسفت الأبحاث الرصينة داخل الكتاب نفسه أوهام «الدولة الحوثية»؛ إذ يؤكد مؤرخ الزيدية بجامعة برينستون برنارد هيكل في الفصل الأول أن ملازم حسين الحوثي (2,129 صفحة) تمثل «قطيعة جذرية مع التراث الزيدي».
ومزيجاً من الخمينية والجهادية لفرض «الإمامة باسم آخر» وجباية الخُمس (20%) لسلالة السادة. بل إن الدقة التاريخية تقتضي القول إن الحوثية ليست قطيعةً بالمطلق، بقدر ما هي امتداد راديكالي لأسوأ ما في «الزيدية الهادوية والجارودية» المتشددة التي تختلف جذرياً عن فقه الإمام زيد بن علي في مسنده؛ إذ تصطدم دعاوى تسامح الزيدية السياسية بالذاكرة الدموية لبعض أئمتها، كالإمام عبد الله بن حمزة الذي أباد فرقة «المطرفية» في القرن السابع الهجري لمجرد اختلافها الفكري معه.
والحوثيون اليوم يحيون هذا الإرث الدموي عبر سلطة «التنظيم» الموازية التي تسمّيها الباحثة النمساوية ماريكه براندت في الفصل الرابع (صفحة 86) بـ«حكم الرعب والخوف» المدار بواسطة شبكة «المشرفين» السادة؛ ليختم هيكل فصله في الصفحة 31 بعبارة دامغة: "اليمن يستحق بالتأكيد أفضل من أن يحكمه ثوريون لا يقلّون وحشية".
أما نصائح بعض الأكاديميين بعدم اختزال الجماعة في «دمية لإيران» –كما جادلت الدنماركية ماريا-لويز كلاوسن في الفصل الرابع عشر تحت عنوان "أكثر من وكيل"، وكما ذهب جيمس سبنسر باعتبار الدعم الإيراني «محدوداً»– فتسقط أمام حقيقة الفرق بين «الحليف» المستقل و«التابع» المقيّد بإرادة مشغّله الإيراني.
وقد فضح الفصل الثاني للباحث د. محمد المحفلي هذه المراوغة رقمياً؛ فحين حلل حاسوبياً خطب عبد الملك الحوثي مقارنةً بملازم شقيقه حسين، رصد اختفاء كلمتي «إيران» و«خميني» من قائمة الكلمات العشرين الأولى (صفحة 41) في وقت تتدفق فيه الأسلحة والخبراء من طهران!.
إنها تقية سياسية مفضوحة لتخدير الخارج، رافقها استقبال ضابط الحرس الثوري حسن إيرلو في صنعاء وإرسال سفير للحوثيين إلى طهران، بينما حلّ اسم «السعودية» في صدارة معجم الاستهداف (صفحتا 41 و49)، مع توظيف شعارات «القدس» لتجنيد اليمنيين لضرب وطنهم وجيرانهم.
إن الجماعة لا تتصرف كمشروع حكم يمني، بل كآلة حرب عقائدية عابرة للحدود؛ فقد وثّق الباحث ألكسندر فايسنبرغر في الفصل الثالث (صفحات 64–66) كيف استغل الحوثيون حادثة «تنومة» التاريخية عام 1923 –التي وقعت في سياق اضطرابات تلك المرحلة قبل توحيد المملكة– لتحويرها خبيثاً وتوظيفها لإذكاء الأحقاد، وعمدوا إلى انتزاع حديث «قرن الشيطان» الموجه نبوياً نحو المشرق والعراق وليّ عنقه جغرافياً لتسمية المملكة به زوراً.
يرافق ذلك ما وثقه التربوي شاكر الأشول في الفصل السادس عن تفخيخ التعليم عبر 421 تعديلاً منهجياً، وحشد 250,000 طفل في آلاف المراكز الصيفية عام 2019، بالتوازي مع نهب الإيرادات وفرض الخُمس لتمويل المجهود الحربي كما رصد جوشوا روجرز في الفصل الحادي عشر.
إن الأجيال التي جرى تفخيخ وعيها في المراكز الصيفية وبثارات «تنومة» المحوّرة سياسياً، هي التي تحصد الميليشيا اليوم ثمار تعبئتها في التوغل بمديريات الحجرية والتربة وإطباق الحصار على مدينة تعز من أربع جهات، وفي قصف قصر «المعاشيق» بعدن وأحياء مأرب، ومهاجمة المملكة بألفي صاروخ ومسيّرة منذ بدء العمليات.
لقد أصابت الباحثة الإيطالية إليونورا أرديماني في الفصل الثالث عشر حين قررت أن وجود الحوثيين على حدود المملكة يجعل «انعدام اليقين الدائم هو القاعدة»؛ فالتجارب أثبتت أن الحوثي كجماعة مؤدلجة وتابعة لطهران لن يتحول إلى دولة طبيعية، ولا يقرأ الهدن وإغراءات السلام إلا كاستراحة محارب لإتمام انقلابه من صعدة إلى باب المندب.





