في البلدان الأخرى تقاس فيه المسؤولية بحجم الإنجاز، وتمنح فيه المناصب على أساس الكفاءة والعطاء، لكن يبدو أن الشرعية اليمنية قد اخترعت معيارا إداريا جديدا يستحق أن يدرس في أرقى معاهد الإدارة والسياسة: الاستمرار في المنصب بصرف النظر عما إذا كنت قد فعلت شيئا أم لا!.
ولعل معالي الأستاذ معمر الإرياني هو النموذج الأبرز لهذا الابتكار اليمني الفريد، فهو ليس مجرد وزير إعلام، بل صاحب أطول رحلة وزارية في تاريخ الحكومات المتعاقبة، إذ ظل يتنقل من حكومة إلى أخرى، ومن رئيس وزراء إلى آخر، وكأن حقيبة الإعلام قد كتبت باسمه في صك لا يملك أحد حق إلغائه..
من حكومة باسندوة، مرورا بحكومات بحاح وبن دغر وحكومة معين عبدالملك الأولى والثانية وبن مبارك وبن بريك، وصولا إلى حكومة الزنداني، ظل الرجل حاضرا، ثابتا، عصيا على التغيير، بينما تغير رؤساء الحكومات والوزراء والحقائب والبرامج والخطابات، وبقي معمر في مكانه، كأنما هو الثابت الوحيد في معادلة سياسية لا تعرف الثوابت إلا حين يتعلق الأمر بالمناصب..
والحق يقال، لقد أثبت معاليه قدرة استثنائية على التكيف مع جميع العهود والحكومات. لم يكن يتعبه تغيير رئيس الحكومة، ولا يربكه اختلاف التوجهات، ولا تستفزه تبدلات الخطاب السياسي. يأتي رئيس حكومة ويرحل، ويأتي آخر ويغادر، وتشكل حكومة جديدة وتحل أخرى، بينما يظل معاليه شامخا في موقعه، وكأن كل الحكومات المتعاقبة كانت تتفق، سرا وعلانية، على أن لا حكومة تكتمل إلا بوجوده!.
ولذلك، فإننا نرى أن من الظلم البين أن يظل الرجل وزيرا للإعلام بعد كل هذه السنوات. فمن غير المعقول أن يظل أقدم الوزراء في موقعه، بينما يتولى رئاسة الحكومة أشخاص لم يبلغوا نصف عمره الوزاري! أليس من حقه أن ينال الترقية المستحقة؟ أليس الأقدم أحق بالتقديم؟ وإذا كان معيار البقاء في السلطة هو طول البقاء فيها، لا حجم الإنجاز، فلماذا لا نمنحه رئاسة الحكومة مكافأة على هذا الصمود التاريخي؟.
بل نقترح أن يمنح لقب "دولة رئيس الوزراء الأبدي"، وأن تضاف إلى سيرته الذاتية عبارة: الوزير الذي عاصر الحكومات جميعها، ونجا من التغيير كله، ولم تسقطه أي مراجعة للأداء!
أما الإنجازات، فربما يكون من الإجحاف أن نبحث عنها بالمعايير التقليدية، فالرجل حقق إنجازا لا يستهان به في نظر مدرسة المحاصصة السياسية: أن يبقى في الوزارة بينما تتغير الدولة من حوله، وأن يحتفظ بمقعده بينما تتبدد أحلام الناس وتتآكل مؤسسات البلاد..
ويا لها من مفارقة تستحق التأمل! بلد يعيش واحدة من أسوأ مراحله، ومؤسسات تتهاوى، وإعلام رسمي يفترض أن يكون صوت الدولة وحضورها، ووزير يواصل رحلته الوزارية عبر الحكومات، دون أن يرى المواطن أثرا يتناسب مع طول هذه الرحلة أو مع حجم المسؤولية التي يحملها..
إن بقاء معمر الإرياني في كل هذه الحكومات، لا ينبغي أن يكون موضع فخر شخصي بقدر ما ينبغي أن يكون سؤالا سياسيا وأخلاقيا موجها إلى منظومة الشرعية بأكملها: بأي معيار يقيم الوزراء؟ ومن يحاسبهم؟ وما الذي يجعل وزيرا يستمر كل هذه السنوات، بينما يترك الأداء العام بلا تقييم حقيقي ولا مساءلة جدية؟.
وفي الختام، نكرر دعوتنا بترقية معاليه إلى رئاسة الحكومة، ليس انتقاصا من أحد، وإنما إنصافا لمبدأ الأقدمية الذي يبدو أنه المعيار الأكثر احتراما في أروقة الشرعية..
مبارك للشرعية هذا الإنجاز الإداري العظيم: حكومات تتغير، ورؤساء يرحلون، ووزراء يتبدلون، ومعمر باق!.
ولعل الشعار الأنسب لهذه التجربة أن يكتب على أبواب الحكومة: في الشرعية اليمنية، قد لا تحتاج إلى أن تنجز كي تبقى، يكفي أن تبقى كي يقال إنك أنجزت!.





