إخفاق الشرعية اليمنية على مدار العقد الماضي لم يكن ناتجاً عن قوة خصمها العقائدية أو العسكرية فحسب، بل كان في مقامه الأول انعكاساً لمصفوفة معقدة من الخطايا البنيوية، والنزاعات البينية، والارتهان السياسي الذي قضم جسدها من الداخل.
لقد تحولت هذه المظلة، التي استبشر بها اليمنيون يوماً كقارب نجاة لاستعادة مؤسسات الدولة والديمقراطية، إلى كيان مشلول يعاني من التآكل المؤسسي، والفساد المستشري، وفقدان الإرادة السيادية، مما جعلها تعجز عن تقديم نموذج حكم جاذب أو إدارة معركة عسكرية حاسمة.
بدأ هذا الفشل يتشكل عملياً من طبيعة التركيبة الهشة والغياب الميداني لقياداتها؛ ففي الوقت الذي كان يفترض فيه تقديم نموذج ملهم ومستقر في مناطق الشرعية.
حيث اختارت النخب السياسية والعسكرية العيش في شتات العواصم الخارجية، مخلفةً وراءها فراغاً إدارياً هائلاً وفجوة سحيقة مع الشارع. هذا الاغتراب عن الواقع أنتج عجزاً تاماً عن ضبط الملف الاقتصادي، فتدهورت العملة الوطنية وتردت الخدمات الأساسية من كهرباء وصحة ومياه، ليجد المواطن نفسه ضحية لنموذج فوضوي طارد.
ولم يتوقف الأمر عند سوء الإدارة، بل امتد لينخر في عمق المؤسسة العسكرية والأمنية التي عانت من تشوهات قاتلة؛ حيث استشرت ظاهرة "الجيش الورقي" عبر كشوفات بآلاف الأسماء الوهمية، في مقابل حرمان الجنود المرابطين في الثغور من رواتبهم بانتظام، مما أدى إلى انهيار الروح المعنوية وسقوط جبهات استراتيجية متتابعة.
هذا الترهل الداخلي تغذى بشكل مباشر على غياب المشروع الوطني الجامع وتعدد الولاءات للفصائل المسلحة. فالشرعية لم تكن يوماً كتلة متجانسة، بل كانت خليطاً غير متوافق من التيارات الحزبية والجهوية كحزب الإصلاح، والمؤتمر الشعبي، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والقوى التهامية والوطنية الأخرى.
وبدلاً من توجيه البندقية نحو العدو المشترك، استُنزفت الطاقات في تصفية الحسابات السياسية والصراعات المسلحة البينية في عدن وأبين وشبوة وتعز، مما أدى إلى تشظي القرار العسكري وفشل محاولات دمج هذه القوات تحت غرفة عمليات موحدة لوزارتي الدفاع والداخلية.
ترافق هذا التشرذم الداخلي مع تحول دراماتيكي في علاقة الشرعية بالتحالف العربي؛ إذ تحول الأخير تدريجياً من عامل مساعد إلى محرك ومتحكم بالقرار اليمني، مستغلاً ضعف الرأس السياسي ليمرر تباينات أجندات الإقليم على الأرض.
فرضخت الشرعية لقيود منعتها من إعادة تشغيل منشآتها الاقتصادية السيادية بكامل طاقتها كمنشأة بلحاف للغاز والموانئ الحيوية، مما حرم الخزينة العامة من موارد ضخمة كانت كفيلة بإنقاذ الشعب من المجاعة.
وفي المحصلة، تكلل هذا العجز بفشل دبلوماسي وإعلامي ذريع في المحافل الدولية؛ حيث تحركت الدبلوماسية اليمنية برتابة وبطء شديدين، وظلت في موقف المتلقي والمستجيب للضغوط الدولية، وقدمت تنازلات استراتيجية مجانية تفكك عناصر قوتها كـ "اتفاق ستوكهولم" بشأن الحديدة، دون الحصول على مكاسب حقيقية تُنهي حصار المدن الأخرى كمدينة تعز.
إن المحصلة النهائية لتجربة الشرعية تثبت أن هزيمتها لم تكن عسكرية بقدر ما كانت هزيمة أخلاقية ومؤسسية؛ إذ تخلت طواعية عن أدوات سيادتها، واستبدلت الكفاءة بالمحاصصة والمحسوبية، لتدفع الثمن في نهاية المطاف بفقدان ثقة الحاضنة الشعبية وتآكل شرعيتها القانونية والسياسية على الأرض.





