السبت، 7 نوفمبر 2026 | الموافق ٢٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

إثبات الهوية... هل نحتاج إلى شهادة انتماء لنكون بشرًا؟

رصاصة الكلمة

في حياتنا اليومية، نُطالب مرارًا بإثبات هويتنا. نُبرز بطاقاتنا الشخصية، ونقدم وثائقنا الرسمية، ونجيب عن أسئلة تتعلق بأسمائنا وأماكن ميلادنا ومنطقتنا.

وهذا أمر مفهوم حين يتعلق بتنظيم شؤون الحياة وحماية الحقوق. لكن هناك نوعًا آخر من إثبات الهوية، لا يتعلق بالأوراق والوثائق، بل بنظرة المجتمع إلينا، وبحاجتنا المستمرة إلى إقناع الآخرين بأننا ننتمي إلى الجماعة أو المنطقة التي يرونها جديرة بالقبول.

فكم مرة سُئل أحدنا: من أي منطقة أنت؟ ما اسم عائلتك وإلى أي قبيلة تنتمي؟ ما أصلك؟ وما توجهك؟ أسئلة قد تبدو عادية، بل وقد تنطلق أحيانًا من فضول بريء ورغبة في التعارف. لكنها تصبح إشكالية حين تتحول الإجابات إلى معايير للحكم على الإنسان، أو إلى مفاتيح تفتح له أبواب القبول وتغلقها في وجهه.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا لا يكفي أن نكون بشرًا حتى نستحق الاحترام والكرامة والقبول؟

الهوية في جوهرها وسيلة للتعريف بالإنسان، وليست أداة لتحديد قيمته. فمن الطبيعي أن يعتز المرء بأسرته وقبيلته ومنطقته وثقافته ووطنه وانتمائه الديني. وهذه الانتماءات تشكل أجزاء مهمة من تجربته وتاريخه وذاكرته.

لكنها تصبح عبئًا عندما تتحول من روابط اجتماعية إلى حدود فاصلة بين الناس، أو إلى مقياس يحدد من يستحق الثقة والاحترام والفرص، ومن لا يستحقها.

في مجتمع مثل المجتمع اليمني، بتنوعه الجغرافي والثقافي والاجتماعي الغني، يفترض أن يكون الاختلاف مصدر ثراء وتكامل. غير أن سنوات الصراع والانقسام عمّقت لدى البعض الحاجة إلى تصنيف الآخرين وفق انتماءاتهم المناطقية أو المذهبية أو السياسية.

وقد يجد الإنسان نفسه أحيانًا مضطرًا إلى إثبات أنه ليس محسوبًا على هذا الطرف أو ذاك، أو أنه ينتمي إلى هذه الجماعة لا تلك، وكأن إنسانيته وحدها لا تمنحه الحق في أن يُعامل بإنصاف. والأخطر من ذلك أن بعض الناس قد يشعرون بالحاجة إلى إخفاء جانب من هويتهم أو آرائهم أو قناعاتهم أو إيمانهم الديني حتى يحظوا بالأمان أو القبول الاجتماعي. فأي مجتمع نريد أن نبنيه إذا كان الفرد فيه يخشى أن يكون نفسه؟

قد يظن البعض أن الدعوة إلى الانتماء الإنساني الأوسع تعني التخلي عن الهوية الوطنية أو الثقافية أو الاجتماعية. لكن الأمر ليس كذلك. فنحن لا نحتاج إلى الاختيار بين أن نكون يمنيين وأن نكون بشرًا، كما لا نحتاج إلى التخلي عن خصوصياتنا حتى ندرك أننا جزء من أسرة إنسانية واحدة.

يمكن للإنسان أن يعتز بلهجته وتقاليده ومنطقته، وأن يحب وطنه ويحرص على مصالح مجتمعه، وفي الوقت نفسه يؤمن بأن الإنسان الآخر، المختلف عنه في الدين أو الفكر أو الثقافة أو الأصل، يمتلك الكرامة الإنسانية ذاتها ويستحق الحقوق والاحترام نفسيهما.

إن الاختلاف ليس نقيضًا للوحدة؛ فالوحدة الحقيقية لا تعني أن نتشابه في كل شيء، وإنما أن نتعلم كيف نعيش مع اختلافاتنا دون أن نحولها إلى أسباب للتمييز والإقصاء. وكما تتكامل الأعضاء المختلفة لتمنح الجسد قدرته على الحياة، يمكن لتنوع المجتمعات أن يمنحها القوة والمرونة والإبداع، متى أدرك أفرادها أن ما يجمعهم أعمق مما يفرقهم.

وراء حاجتنا المستمرة لإثبات الانتماء رغبة إنسانية مفهومة: أن نشعر بالأمان، وأن نحظى بالقبول، وألا نجد أنفسنا معزولين عن محيطنا.

فالإنسان كائن اجتماعي، ولا يستطيع العيش بمعزل عن الآخرين. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القبول مشروطًا بالتشابه، أو عندما يُطلب من الفرد أن يتبنى أفكار الجماعة ومواقفها دون تفكير أو تساؤل.

حينها قد تتحول الهوية من مساحة تمنح الإنسان الطمأنينة إلى قيد يحد من حريته في التفكير والتعبير والاختيار. ولعل من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يصبح السؤال عن انتماء الإنسان أكثر أهمية من السؤال عن أخلاقه وأفعاله وكفاءته.

فبدلًا من أن نسأل: هل هذا الشخص صادق؟ هل هو أمين؟ هل يحترم الآخرين؟ ما كفاءته المهنية؟ هل يستطيع أن يساهم في خدمة مجتمعه؟ نجد أنفسنا أحيانًا نسأل أولًا: من أي منطقة هو؟ وإلى من ينتمي؟ ما مذهبه أو دينه؟

وهكذا تتحول الانتماءات، دون أن نشعر، إلى أحكام مسبقة قد تحرم المجتمع من طاقات أبنائه وتحرم الأفراد من فرص عادلة للمشاركة والعطاء.

إن بناء مجتمع أكثر عدلًا وتماسكًا لا يتطلب محو الاختلافات، بل تغيير الطريقة التي ننظر بها إليها. نحتاج إلى الانتقال من ثقافة تصنيف الناس إلى ثقافة التعارف بينهم، ومن البحث عن أوجه الاختلاف بوصفها أسبابًا للريبة إلى اكتشاف القيم المشتركة التي تتيح لنا التعاون.

ونحتاج قبل ذلك إلى تربية أبنائنا على أن قيمة الإنسان لا تُستمد من اسم عائلته، ولا من مكان مولده، ولا من انتمائه إلى جماعة أكثر نفوذًا، وإنما من كرامته الأصيلة وما يقدمه من خير وعمل نافع.

وهذه المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم؛ فالمؤسسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية مطالبة أيضًا بتعزيز ثقافة تحترم التنوع، وتضمن تكافؤ الفرص، وتشجع الحوار، وتحمي حق الإنسان في الاختلاف دون خوف من التمييز أو الإقصاء. فالتماسك الاجتماعي الحقيقي لا يصنعه اتفاق الجميع على رأي واحد، بل تصنعه قدرتهم على التعاون رغم اختلاف آرائهم وانتماءاتهم.

ربما لا نستطيع الاستغناء عن الوثائق التي تثبت أسماءنا ومناطقنا، ولا عن الانتماءات التي تشكل ذاكرتنا الشخصية والجماعية. لكننا نستطيع أن نعيد النظر في المعنى الذي نعطيه لهذه الهويات، وفي الطريقة التي نعامل بها من يختلفون عنا.

فالمشكلة ليست في أن تكون لنا هويات متعددة، بل في أن نسمح لإحداها بأن تتحول إلى مبرر لانتقاص حقوق الآخرين أو إنكار إنسانيتهم.

وفي اليمن، حيث نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ترميم الثقة وإعادة بناء الروابط الاجتماعية، قد تكون إحدى أهم خطوات التعافي أن نعيد الاعتبار إلى الإنسان قبل الانتماء، وإلى المواطنة المتساوية قبل التصنيفات الضيقة. أن ننظر إلى بعضنا بوصفنا شركاء في وطن واحد ومصير مشترك، لا ممثلين لجماعات متنافسة على الحق في الوجود والقبول.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس: إلى أي جماعة ينتمي هذا الإنسان؟ بل: لماذا نحتاج إلى معرفة جماعته قبل أن نمنحه ما يستحقه من احترام؟
فالهوية ينبغي أن تساعد الآخرين على معرفتنا، لا أن تكون شرطًا للاعتراف بكرامتنا.

وفي النهاية، قد نحمل في جيوبنا بطاقات تثبت هوياتنا، لكننا لا ينبغي أن نحتاج إلى شهادة من أحد تثبت إنسانيتنا.