في زمن السلم، ينقل الإعلام الخبر. أما في زمن الحرب، فالإعلام هو الخبر، وهو الجبهة، وهو القصة التي تُكتب بالدم والحبر معاً.
ونحن في اليمن لا نعيش حرباً عابرة، بل نخوض منذ أكثر من عشر سنوات حرباً وجودية لتقرير المصير واستعادة الدولة؛ حرباً فرضتها علينا جماعة الحوثي الانقلابية، أذناب إيران، الذين انقلبوا على النظام والدستور والجمهورية، وجعلوا أعزة أهلها أذلة.
وفي هذه الحرب، لم تكن الآلة العسكرية وحدها من تقتل الأبرياء وتشرد الأسر وتدمر المدن، بل كانت الكلمة تقاتل معها، وأحياناً قبلها. فالانقلابيون أسقطوا الدولة بذريعة "الجرعة"، فيا لها من ذريعة دمرت وطناً.
لذلك، علينا كإعلاميين أن نتساءل: ما السياسة الإعلامية الواجب اتباعها في زمن الحرب؟ وما دور وزارة الإعلام؟ وما الرسالة التي يجب أن تصل إلى زملائنا الذين يكابدون الأمرّين؟
أولاً: السياسة الإعلامية المطلوبة في زمن الحرب
لا يمكن أن نترك الإعلام في زمن الحرب للاجتهادات الفردية والمناكفات على فيسبوك ومنصة X. بل نحن بحاجة إلى سياسة إعلامية موحدة تقوم على ثلاثة أركان:
1- وحدة الخطاب، لا وحدة الصوت: لا نريد إعلاماً يردد الجملة نفسها، بل إعلاماً يلتف حول هدف واحد: اليمن الجمهوري أولاً، ثم استعادة الدولة، ورفض المشروع الإمامي. قد نختلف في الأسلوب، لكن لا مجال للاختلاف على الهدف.
2- الصدق سلاحنا الأمضى: يصنع خصمنا انتصارات وهمية بالكذب والتزييف، أما نحن فلا نحتاج إلى ذلك. لدينا تضحيات حقيقية، وشهداء صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وقضية عادلة: تطهير اليمن. فإذا فقد المواطن ثقته بنا مرة، فلن يصدقنا ولو نطقنا بالحقيقة.
3- سرعة المعلومة: في الحرب، المعلومة المتأخرة معلومة ميتة. إن لم نسبق نحن إلى الميدان بالخبر الموثوق، سبقنا العدو بخبره المضلل. لذا لا بد من شبكة مراسلين في كل جبهة، وإعلام حربي فاعل بالتنسيق مع الوزارة والقنوات الرسمية، ينقل الصورة قبل أن يزيفها الخصم.
وإذا كانت هذه ملامح السياسة المطلوبة، فما دور وزارة الإعلام في تنفيذها؟
ثانياً: دور وزارة الإعلام في ظروف الحرب
وزارة الإعلام في زمن الحرب ليست وزارة بيانات وتصريحات، بل وزارة تقود معركة مصيرية بالكلمة. دورها أن تتحول إلى غرفة عمليات إعلامية: تجمع المعلومة من الجبهات، تدققها، توزعها على القنوات والوكالة والمواقع، وتمنع تسرب ما قد يستغله العدو.
كما أن عليها حماية الإعلامي وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي له. فالإعلامي اليوم نازح ومشرد، يصارع الجوع مع أسرته. قد يقال إن هذه مهمة نقابة الصحفيين، لكننا في حرب، والوزارة هي المعنية أولاً بحماية جنودها.
والأهم أن تكون الوزارة مظلة لكل الصحفيين بمختلف توجهاتهم ومناطقهم؛ تحتضن إعلاميّ تعز كما تحتضن إعلاميّ مأرب وعدن وحضرموت، فالمعركة واحدة والعدو واحد.
وهذا يقودنا إلى السؤال: كيف تؤدي المناطق المحررة دورها في إيصال الرسالة؟
ثالثاً: دور الإعلام في المناطق المحررة
المناطق المحررة ليست جغرافيا فقط، بل هي واجهة الدولة القادمة. ومنها يجب أن تخرج الرسالة الأكثر وضوحاً ومصداقية.
رسالة من عدن تقول: هنا دولة تنهض رغم الجراح.
رسالة من مأرب تقول: هنا تحطمت أحلام الإمامة على صخرة الصمود.
رسالة من تعز تقول: هنا مدينة محاصرة منذ سنوات، لكنها لم تركع ولن تركع.
على إعلام هذه المناطق أن ينقل الواقع كما هو: لا يخفي الألم، ولا يبالغ في الأمل. ينقل معاناة المواطن مع الراتب والكهرباء والماء، وينقل في الوقت نفسه بسالة المقاتلين. فالمواطن لن يصدق إعلاماً يحدثه عن الانتصارات وهو جائع، ولن يثق بإعلام لا يرى سوى الجوع وينسى أن هناك عدواً يتربص به.
وفي هذا السياق، ما الذي يمكن أن يقدمه وزير الإعلام المعين مؤخراً؟
رابعاً: فرصة جديدة أمام وزارة الإعلام
في 2 نوفمبر 2026، صدر قرار جمهوري بتعيين الأستاذ سالم أبو بكر محمد ثابت العولقي وزيراً للإعلام. وهو قادم من الميدان الإداري، فقد كان وزيراً للخدمة المدنية والتأمينات، ويُدرك جيداً تحديات الموظف الحكومي، وملف الرواتب المتأخرة، والوضع المعيشي الذي يعاني منه الإعلامي قبل غيره.
تمثل هذه المرحلة فرصة لإعادة بناء الثقة بين الوزارة والإعلاميين. فالكثير من زملائنا اليوم نازحون، بلا رواتب منتظمة، وبعضهم اضطر لبيع أدواته ليعيل أسرته. إن انتظام الرواتب وتوفير الحماية المهنية والقانونية ليس منّة، بل ركيزة أساسية للنصر في معركة الوعي. فالإعلامي الذي يشعر بالأمان الوظيفي والمعيشي هو إعلامي قادر على المواجهة والصمود.
وأخيراً، ما الرسالة التي يجب أن توجه للإعلاميين والمواطنين معاً؟
خامساً: رسالة إلى الزملاء.. ورسالة إلى المواطن
أيها الزملاء الإعلاميون: نعلم أنكم متعبون، تعملون بلا حماية ولا تقدير كافٍ. لكن تذكروا: إن تركنا نحن الميدان، فسيملؤه الخصم. إن سكتنا، فسيتكلم هو. إن تعبنا، فسينتصر هو.
أنتم لستم مجرد ناقلين للأخبار، أنتم حراس الذاكرة الوطنية. أنتم من سيثبت للتاريخ من وقف مع الجمهورية ومن انقلب عليها. لا تنتظروا الإنصاف من أحد، بل اصنعوه بأقلامكم. اصمدوا كما يصمد المقاتل في المترس؛ فهو يصمد بالبندقية، وأنتم بالكلمة، وكلا الصمودين عبادة ووطن.
وأيها المواطن اليمني: أنت شريك أساسي في هذه المعركة. الحرب اليوم لم تعد حرب جبهات فقط، بل حرب رواية ووعي. خصمنا يملك ترسانة إعلامية ضخمة بأكثر من 15 قناة فضائية و40 إذاعة محلية تبث من صنعاء والمحافظات التي يسيطر عليها.
إضافة إلى مئات المواقع والصفحات وآلاف الحسابات في ما يسمى "الذباب الإلكتروني" الممول خارجياً. بينما سلاحنا الأقوى هو الحقيقة، وأنت خط الدفاع الأول عنها.
دورك أن لا تمنح الشائعة فرصة، أن تتحقق من الخبر قبل نشره، أن تكون أنت الإعلام البديل في حيّك وقريتك. عندما تشارك قصة شهيد، صورة صمود، أو حقيقة تدحض كذبتهم، فأنت تقاتل معنا في نفس الخندق. النصر لا تصنعه الوزارة وحدها، ولا الإعلامي وحده، بل يصنعه وعي شعب يرفض أن يُهزم بالكذب.
إن أردنا النصر، فعلينا توحيد إعلامنا، وتقوية وزارتنا، واحتضان إعلاميينا، وتفعيل دور مواطنينا. الكلمة اليوم جبهة. فإما أن نكون جنودها جميعاً، وإما أن نتركها لخصمنا ليهزمنا بها في عقر دارنا.
ونحن أبناء سبأ وحمير، لن نتركها. سنكتب، وسنوثق، وسننتصر بإذن الله.





