الأربعاء، 8 أبريل 2026 | الموافق ٢٠ شوال ١٤٤٧ هـ
الاقتصاد والمال

فرنسا تسحب 129 طن من ذهبها المخزون في الولايات المتحدة.

فرنسا تسحب 129 طن من ذهبها المخزون في الولايات المتحدة.

خطوة لافتة لا تخلو من أبعاد جيو-اقتصادية وجيو-سياسية تمثلت باستعادة فرنسا نحو 129 طنا من ذهبها المخزن في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، لتصبح كامل الاحتياطيات السيادية لباريس، البالغة 2437 طنا، محفوظة داخل الأراضي الفرنسية. ورغم تأكيد محافظ المصرف المركزي الفرنسي فرانسوا فيليروي دي غالو أن العملية "تقنية بحتة"، إلا أن خبراء رأوا فيها وبسياقها وتوقيتها، أبعادا سياسية تتخطى المعلن.

استكملت باريس بين بين تموز/يوليو 2025 وكانون الثاني/يناير 2026 استعادة باقي احتياطاتها من الذهب من الولايات المتحدة، ليصبح كامل احتياطها من المعدن الأصفر، البالغ 2437 طنا وهو الرابع من حيث الحجم في العالم، مخزن على الأراضي الفرنسية.

ووفقا للتفاصيل، قام البنك المركزي الفرنسي ببيع سبائك قديمة غير مطابقة للمواصفات كانت مخزنة في نيويورك بأسعار قياسية، واشترى سبائك بديلة حديثة داخل أوروبا، محققا أرباحا رأسمالية بلغت 12.8 مليار يورو، دون المساس بإجمالي الاحتياطي.

مراقبون اعتبروا أن باريس، استراتيجيا، أقدمت على الخطوة عقب تحول في إدراك المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ بالأصول السيادية خارج الحدود، خصوصا في ظل بيئة جيوسياسية متقلبة.

هذا التحول لم يبدأ مع فرنسا، إذ سبقتها ألمانيا التي أعادت جزءا كبيرا من ذهبها بين 2013 و2017، في نمط بات يتكرر بين الاقتصادات الغربية. ورغم أن هذه العمليات تقدم رسميًا كإجراءات روتينية، إلا أن نقل مئات الأطنان من الذهب عبر الأطلسي لا يمكن تفسيره فقط بعوامل تشغيلية، بل يعكس إعادة تقييم عميقة لمفهوم "الأمان المالي".

سباق لتعزيز مخزونات الذهب

تعود جذور هذا التغيير إلى صدمة تجميد الاحتياطيات الروسية 2022، حين جمدت الولايات المتحدة نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي عقب الحرب في أوكرانيا، بين ليلة وضحاها. هذا الحدث شكّل نقطة تحول، إذ أثبت أن الأصول المالية المقومة بالدولار، حتى السيادية منها، واقعة فعليا تحت رحمة واشنطن.

ومنذ ذلك الحين، دأبت البنوك المركزية على شراء الذهب بوتيرة قياسية، حيث تجاوزت 1200 طن في عام 2025 وحده. وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية انخفضت من 71% مطلع الألفية إلى 58% اليوم، وهو أدنى مستوى لها منذ ثلاثة عقود.

توجه دولي لتخفيف الاعتماد على الدولار

هذا السياق أبرز أهمية الذهب المخزن داخل الحدود الوطنية للدول كأصل استراتيجي يعزز السيادة المالية، وهو ما يتقاطع مع تحركات قوى كبرى مثل الصين، التي واصلت شراء الذهب لمدة 16 شهرًا متتاليًا، لترفع احتياطاتها إلى نحو 2308 أطنان، بالتوازي مع خفض حيازاتها من سندات الخزانة الأمريكية بمئات المليارات.

هذه السياسة وفق متابعين، لا تعكس مجرد تنويع، بل إعادة هيكلة عميقة تهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار.

الاتجاه ذاته يظهر لدى الهند التي أعادت مئات الأطنان من الذهب إلى الداخل، وبولندا التي تسرّع وتيرة الشراء، ما ساهم في وصول الطلب السنوي من البنوك المركزية إلى مئات الأطنان دون مؤشرات على التباطؤ. في المقابل، اضطرت دول مثل روسيا وتركيا إلى بيع جزء من احتياطاتها تحت ضغط الأزمات، ما يعكس مفارقة واضحة بين من يعزز سيادته المالية ومن يضطر للتسييل لتغطية الضغوط الاقتصادية.

ولا يمكن فصل التحرك الفرنسي عن التوترات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك تداعيات عملية "الغضب الملحمي" التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، دون استشارة الحلفاء في الناتو، ما أعقبه إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا بنحو 40% فضلا عن تكاليف الحياة اليومية.

هذه التطورات عززت الشكوك الأوروبية تجاه الاعتماد المفرط على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة، وأعادت طرح تساؤلات حول مدى استقلالية القرار الاقتصادي الأوروبي.

إعادة تعريف النظام المالي العالمي؟

في المحصلة، لا تمثل إعادة الذهب مجرد إعادة توزيع للأصول، بل تعبيرا عن تحول أعمق في بنية النظام المالي العالمي. فحسب متخصصين ماليين، مع تراجع حصة الدولار في الاحتياطيات العالمية وتصاعد النزعة نحو "إعادة توطين الاحتياطات الرأسمالية"، يبدو أن الدول تسعى إلى إعادة تعريف الأمان ليس بوصفه ثقة في النظام الدولي، بل قدرة على التحكم المباشر في أصولها الوطنية.

وفي هذا السياق، يصبح الذهب المحفوظ داخل الحدود الوطنية ليس فقط قيمة مادية مخزنة، بل أداة تعزز السيادة الاقتصادية من جهة، وتعيد تعريف قواعد النظام المالي العالمي.

 

 

المصدر: مونت كارلو الدولية