يذهب مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سياسات الفاعلين الإقليميين في اليمن ساهمت في تعميق هشاشة الدولة اليمنية، بعد أن أخفقوا في إدراك أن اليمن جزء لا يتجزأ من البيئة الأمنية لشبه الجزيرة العربية، وتجاهلوا موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى المخاطر الناجمة عن غياب الاستقرار الداخلي.
ويرى المركز أن دول الخليج تعاملت لعقود باعتبارها “جزرًا من الاستقرار والرفاه”، واعتقدت أنها قادرة على عزل نفسها عن الفقر والعنف في محيطها، غير أن الحرب الحالية كشفت محدودية هذا التصور، وأظهرت أن أي مفهوم للأمن الإقليمي لا يكتمل دون معالجة أوضاع الدول الهشة، وفي مقدمتها اليمن.
ويؤكد المركز أن المسؤولية الأولى عن بناء الدولة والتنمية تقع على عاتق اليمنيين أنفسهم، إلا أن التدخلات الإقليمية أسهمت في تعميق حالة الضعف المؤسسي.
كما يشير إلى أن الحرب الإقليمية الجارية تطرح أسئلة ملحة حول ضرورة بناء منظومة أمنية متكاملة في المنطقة، تضمن استقرارها وتمنح دولها هامشًا من الاستقلالية في قراراتها الأمنية والتنموية.
ويطرح المركز تساؤلًا محوريًا حول إمكانية بناء منظومة أمن إقليمي مستدام دون إدماج اليمن في تصميمها، معتبرًا أن استثناءها منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 جعلها تُعامل بوصفها هامشًا جغرافيًا أو ملفًا أمنيًا يُدار عند الحاجة، وليس شريكًا استراتيجيًا.
ويشير التقرير إلى أن ضعف التنمية وغياب الاستثمار والاستقرار السياسي في اليمن خلق فراغًا أمنيًا واسعًا، استغلته الجماعات المسلحة، ما أتاح لتدخلات إقليمية متعددة أن تجد موطئ قدم داخل البلاد.
كما يلفت إلى أن جماعة الحوثيين نشأت في هذا السياق وتوسعت، وطورت قدراتها العسكرية خلال السنوات الماضية بما يتجاوز حدود اليمن، لتصبح قادرة على تهديد أمن المنطقة وسلاسل الإمداد الدولية، خاصة مع سيطرتها على أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم.
ويؤكد المركز أن اليمن، بموقعه الجغرافي وسواحله الممتدة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، كان يمكن أن يتحول إلى بوابة جنوبية لازدهار المنطقة وممرًا للتجارة العالمية، لكنه بات في المقابل مصدر تهديد إقليمي مستمر.
ودعا التقرير دول الخليج إلى تبني مقاربة جديدة تجاه اليمن، تقوم على اعتباره شريكًا استراتيجيًا وليس مجرد “مشكلة أمنية”، لافتًا إلى أن اليمن يمتلك كثافة سكانية كبيرة، يُتوقع أن تمثل بحلول عام 2050 نحو 85% من إجمالي سكان دول الخليج مجتمعة، ما يجعله إما رصيدًا استراتيجيًا في حال استثماره، أو عبئًا متفاقمًا في حال استمرار إهماله.
وفي السياق ذاته، يرى المركز أن الحكومة اليمنية تواجه تحديات كبيرة في ظل تراجع الدعم الخارجي وتزايد الضغوط، داعيًا إلى إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الأولويات الأساسية، وعلى رأسها الأمن الغذائي، والانخراط في حوار جاد مع المجتمع الدولي لوضع استراتيجية استجابة عاجلة قبل تفاقم الأزمة الإنسانية.





