الأحد، 14 يونيو 2026 | الموافق ٢٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الهاتف الذي سرق العائلة

رصاصة الكلمة

لم يدخل الهاتف إلى بيوتنا كضيف ثقيل. دخل خفيفًا، أنيقًا، نافعًا، يحمل الأخبار، يقرّب البعيد، يختصر المسافات، ويفتح نافذة على العالم. لم نشعر به وهو ينتقل من الجيب إلى اليد، ومن اليد إلى المائدة، ومن المائدة إلى غرفة النوم، ثم إلى قلب العلاقة بين الأب وأبنائه، وبين الزوج وزوجته، وبين أفراد الأسرة الواحدة.

في كثير من البيوت اليوم، يجلس الجميع تحت سقف واحد، لكن كل واحد يعيش في عالم منفصل. الأب يتابع الأخبار والمنشورات، والأم ترد على الرسائل وتتنقل بين المقاطع، والأبناء غارقون بين الألعاب والتعليقات والصور. البيت ممتلئ بالأجساد، لكنه أحيانًا فارغ من الحوار. الأصوات موجودة، لكن الإنصات غائب. واللقاء العائلي الذي كان يجمع القلوب صار مهددًا بلمعة شاشة صغيرة.

ليست المشكلة في الهاتف نفسه. الهاتف أداة، والأدوات لا تكون خطرًا إلا حين تتحول من وسيلة نافعة إلى قوة تتحكم في يومنا واهتمامنا. المشكلة تبدأ حين يصبح الهاتف حاضرًا في كل لحظة، وحين نمنحه من وقتنا واهتمامنا أكثر مما نمنح من نحب.

كم من طفل حاول أن يحكي لأبيه قصة صغيرة، فقابله الأب بنصف أذن وعين معلقة بالشاشة؟ وكم من زوجة انتظرت كلمة اهتمام، فجاءها الصمت لأن الهاتف كان أكثر جذبًا؟ وكم من مراهق شعر أنه غير مرئي في بيته، فذهب يبحث عن اعترافه وقيمته في فضاء واسع لا يعرفه ولا يحميه؟

إن أخطر ما تفعله وسائل التواصل داخل الأسرة أنها لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق الحضور. هناك فرق كبير بين أن تكون في البيت، وأن تكون حاضرًا فيه. الحضور ليس جلوسًا على الكرسي، بل انتباه، مشاركة، سؤال، نظرة حانية، كلمة تشجيع، ووقت لا ينافسه جهاز. الطفل لا يحتاج أبًا مثاليًا، لكنه يحتاج أبًا يسمعه. والزوجة لا تحتاج كلمات كبيرة دائمًا، لكنها تحتاج شعورًا بأنها ليست آخر الاهتمامات. والزوج لا يحتاج بيتًا بلا مشكلات، لكنه يحتاج شراكة تُبنى بالحوار لا بالصمت.

لقد صار الهاتف في بعض البيوت طرفاً ثالثاً في العلاقة الزوجية. يدخل في الخلاف، ويؤجج الغضب، ويفتح أبواب المقارنة والشك وسوء الظن. صور الآخرين تجعل بعض الناس يظنون أن حياتهم ناقصة، وأن بيوت الناس أكثر سعادة، وأن الأزواج والزوجات في العالم الافتراضي أكثر لطفاً ونجاحًا وجمالاً.

لكن الحقيقة أن وسائل التواصل تعرض غالبًا لحظة مختارة، لا حياة كاملة. نرى ابتسامة ولا نرى القلق خلفها، نرى سفرة عامرة ولا نرى الدين الذي أثقل صاحبها، نرى علاقة جميلة ولا نرى الخلافات التي تمر بها. ومن الظلم أن نحاكم بيوتنا الواقعية بصور معدّلة على شاشات الآخرين.

ولا يقف الأثر عند الكبار. الأطفال والمراهقون هم الأكثر هشاشة أمام هذا العالم المفتوح. حين يغيب الحوار داخل الأسرة، تصبح الشاشة مربّيًا بديلًا. تعلّم الطفل لغته، وذوقه، وطريقة غضبه، ونظرته لنفسه وللآخرين. وحين لا يجد الابن أو البنت مساحة آمنة للكلام في البيت، قد يذهب إلى غرباء يمنحونه اهتمامًا زائفًا، أو إلى محتوى يزرع في داخله العنف أو الكراهية أو الشعور بالنقص.

إن حماية الأبناء لا تكون بالمراقبة وحدها، ولا بالمنع المطلق، بل ببناء ثقة تجعلهم يعودون إلى أهلهم حين يضيعون أو يخافون أو يخطئون.

نحن بحاجة إلى إعادة ترتيب العلاقة داخل بيوتنا. لا إلى حرب ضد التكنولوجيا، ولا إلى حنين عاجز إلى زمن مضى، بل إلى وعي جديد يجعل الإنسان أولًا، والجهاز ثانيًا. الأسرة ليست مجموعة أفراد يتقاسمون الكهرباء والإنترنت والطعام، بل جماعة صغيرة تقوم على الرحمة، والتشاور، والاحترام، والتعاون. وإذا ضعف الحوار داخلها، ضعفت قدرتها على حماية أفرادها من ضجيج الخارج.

من حق كل فرد أن يستخدم هاتفه، لكن ليس من حق الهاتف أن يأكل حق الأسرة. من حقنا أن نتابع العالم، لكن ليس من الحكمة أن نفقد عالمنا الصغير في البيت. ما قيمة أن نعلّق على قضايا الناس، ونحن لا نسمع وجع أقرب الناس إلينا؟

وما معنى أن نكتب أجمل العبارات عن الحب والاحترام، ثم نعجز عن قول كلمة طيبة لمن يجلس إلى جوارنا؟

الحل يبدأ بخطوات بسيطة لكنها عميقة. لنبدأ بساعة يومية، وإن استطعنا أكثر، بلا هواتف أثناء الطعام أو الجلسة العائلية. اتفاق واضح بين الزوجين على ألا تدخل الشاشة وقت الحوار.

إنصات حقيقي للأبناء من غير سخرية ولا تهديد. مشاركة الأطفال في أنشطة صغيرة: قراءة، ترتيب البيت، زيارة قريب، حديث قبل النوم. والأهم أن يكون الكبار قدوة؛ فلا يجوز أن نطلب من الطفل ترك الهاتف بينما يرانا أسرى له.

نحتاج أيضًا إلى ثقافة عائلية تجعل السؤال عادة: كيف كان يومك؟ ما الذي أزعجك؟ ما الذي أسعدك؟ ماذا تعلّمت؟ هذه الأسئلة الصغيرة تبني جسورًا كبيرة. وحين يشعر أفراد الأسرة أن البيت مكان آمن للكلام، تقل حاجتهم إلى الهروب نحو العوالم الباردة.

إن البيت الذي يتعلم أهله التشاور لا يخاف من الاختلاف، والبيت الذي تسوده الكلمة الطيبة يستطيع أن يعالج أخطاءه قبل أن تتحول إلى جراح.

الهاتف لن يخرج من حياتنا، وربما لا ينبغي له أن يخرج. لكنه يجب أن يعود إلى حجمه الطبيعي: وسيلة لا بديلًا، نافذة لا بيتًا، عونًا لا قائدًا. أما العائلة، فهي الأصل الذي لا يعوض. قد نشتري هاتفًا جديدًا في أي وقت، لكننا لا نستطيع شراء طفولة ضاعت، ولا ثقة انكسرت، ولا جلسة عائلية كانت ممكنة ثم ابتلعها الانشغال.

فلنطفئ الشاشة قليلًا، لا لأن العالم غير مهم، بل لأن من حولنا أهم. فالأسرة التي تنظر في عيون بعضها أكثر مما تنظر في هواتفها، لا تُسرق بسهولة.