تبدو الساحة السياسية اليمنية في كثير من الأحيان وكأنها تدور في حلقة مفرغة: شعارات تتكرر، وخطابات تعاد صياغتها، وأزمات تتراكم، يبرز اليوم حديث متكرر عن توحيد قيادة المؤتمر الشعبي العام وكأن هذا التوحيد بحد ذاته هو المفتاح السحري لحل تعقيدات بلد يعيش حربا، وانقساما مؤسساتيا، وتشظيا في القرار السياسي والعسكري..
المشكلة ليست في مبدأ توحيد أي حزب سياسي من حيث هو فكرة تنظيمية، بل في تحويل هذا التوحيد إلى شماعة تعلق عليها كل الإخفاقات، وكأنه إذا اجتمع هذا الطرف أو ذاك، ستنحل تلقائيا أزمة دولة منهارة، واقتصاد متعب، ومؤسسات تعمل بالحد الأدنى من التوازن..
اليمن اليوم لا تعاني فقط من تشرذم الأحزاب، بل من تداخل السلطة مع الحرب، ومن تعدد مراكز القرار، ومن غياب مشروع دولة جامع. لذلك فإن اختزال الحل في توحيد قيادة المؤتمر هو نوع من التبسيط المخل، أو – في أفضل الأحوال – هروب من مواجهة جوهر الأزمة..
ما يثير أ لانتباه أن هذا الخطاب يأتي من داخل السلطة نفسها، من شخصيات تشغل مواقع حكومية منذ سنوات طويلة، مثل معمر الإرياني، الذي ارتبط حضوره العام خلال سنوات الحرب بخطاب إعلامي وسياسي قائم بدرجة كبيرة على التغريدات والمواقف المعلنة، أكثر من كونه إنتاجا لحلول تنفيذية ملموسة على الأرض..
والمفارقة أن الإرياني يريد توحيد المؤتمر، ويتجاهل التشتت القائم داخل المنظومة التي يتحدث باسمها أو ينتمي إليها. وهنا تتحول الدعوات السياسية من كونها مشاريع إصلاح إلى أدوات لإعادة توزيع المسؤوليات، لا لتحملها..
لا أبالغ إذا قلت، إن توحيد أي حزب – بما في ذلك المؤتمر الشعبي العام – سيشكل حلا سحريا لمعضلة اليمن. الحل، إن كان ممكنا، يبدأ من إعادة تعريف الدولة نفسها، وتوحيد القرار داخل المؤسسات الفعلية، وتقديم منطق الدولة على منطق الاصطفاف الحزبي، وتعيين مسؤلين يحبون بلدهم ويكون ولاءهم لها.وليس لغيرها..
إن الاستمرار في التعامل مع توحيد المؤتمر كأنه المفتاح الذهبي، بينما تبقى مفاتيح السلطة نفسها مشتتة، فهو مجرد تدوير للأزمة لا أكثر، ولو كانت معايير المساءلة السياسية تطبق في إطار دولة مؤسسات حقيقية تحترم نفسها، لكان معمر الإرياني وغيره ممن تقلدوا مناصب باسم الجمهورية اليمن أمام القضاء..





