في تجارب ما بعد النزاعات، يفترض أن يكون دمج المليشيات في الجيش خطوة انتقالية نحو الاحتكار الشرعي للعنف، لكن ما تقوم به السعودية في اليمن، نرى عملية معكوسة: تفكيك نسبي لما تبقى من المؤسسة العسكرية، مقابل إعادة تجميع المليشيات في تشكيلات أكبر وأكثر تماسكا، لكنها لا تستند إلى عقيدة وطنية موحدة، بل إلى شبكات ولاء متعددة—قبلية، مناطقية، أو خارجية..
هذه الهندسة المقلوبة، لا تلغي المليشيات، بل تعيد تدويرها. يتم تغيير الأسماء والهياكل، لكن البنية العميقة—الولاءات، الاقتصاد الحربي، منطق الغنيمة—تبقى كما هي. النتيجة هي إنتاج مؤسسات هجينة: كيانات تبدو رسمية شكليا، لكنها تعمل بمنطق المليشيا..
ديمومة المليشيا: لماذا لا تختفي؟
تحرص السعودية على تحويل المليشيات إلى نظم حكم محلية، لديها مصادر تمويل (جبايات، موارد، دعم خارجي)، وأجهزة أمن، وقدرة على الضبط الاجتماعي. هذا يمنحها قابلية عالية للاستمرار، حتى في غياب القتال المكثف..
أخطر ما في هذا المسار هو تآكل فكرة الجيش كجهاز وطني محايد. يتم استبدال معايير الاحتراف (التدريب، التسلسل القيادي، الانضباط) بمعايير الولاء السياسي أو الفصائلي. ومع الوقت، تفقد المؤسسة قدرتها على العمل ككيان موحد، وتتحول إلى مظلة شكلية لقوى متباينة..
هذا التجريف لا يضعف الدولة فقط، بل يخلق بيئة دائمة لعدم الاستقرار: تعدد مراكز القوة، تضارب الأوامر، وصعوبة فرض القانون. حتى أي تسوية سياسية مستقبلية ستجد نفسها أمام جيش بلا عقيدة، ما يجعل الانتكاس إلى العنف احتمالا قائما...
هذا النهج قد يكون مفهوما من زاوية إدارة المخاطر قصيرة المدى—كالحاجة إلى حلفاء ميدانيين فاعلين—لكنه يحمل آثارا عميقة على المدى البعيد. دعم قوى متباينة، أحيانا متنافسة، يعزز منطق توازن الفوضى: لا طرف يهيمن بالكامل، لكن لا دولة تتشكل أيضا..
بمرور الوقت، يتحول هذا التوازن إلى حالة شبه دائمة، حيث يصبح الاستقرار مرتبطا باستمرار نفس البنية المجزأة. أي محاولة لإعادة توحيد المؤسسة العسكرية قد تنظر إليها كتهديد لمصالح هذه الشبكات، ما يخلق مقاومة داخلية وخارجية لأي إصلاح حقيقي..
الخطر الممتد: استقرار مؤجل وصراع مؤسس
ما ينتج عن هذه الهندسة ليس مجرد فوضى، بل نظام فوضوي مستقر نسبيا، لكنه هش وقابل للاشتعال. في مثل هذا النظام، تدار الصراعات بدل حلها، وتوزع القوة بدل احتكارها. وهذا يعني أن اليمن قد يواجه مرحلة طويلة من الاستقرار المؤجل، حيث تغيب الحرب الشاملة، لكن لا يتحقق السلام الحقيقي..
الخطر الأكبر هو على الأجيال القادمة: نشوء بيئة تطبع فيها المليشيا كبديل طبيعي للدولة، ويتآكل فيها مفهوم المواطنة لصالح الهويات الفرعية. إعادة بناء جيش وطني في المستقبل لن تكون مجرد عملية تقنية، بل معركة سياسية واجتماعية معقدة لإعادة تعريف الولاء والانتماء..





