الخميس، 30 أبريل 2026 | الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

في يوم العمال العالمي: كرامة العمل أساس نهضة الأوطان

رصاصة الكلمة

يصادف غداًالأول من مايو يوم العمال العالمي، وهي مناسبة لا ينبغي أن تمر علينا كخبر عابر في التقويم، أو كشعار يرفع لساعات ثم يُطوى في نهاية النهار.

إن يوم العمال ليس احتفالًا بفئة محددة من الناس فحسب، بل هو تذكير عميق بأن العمل هو العمود الفقري للحياة، وأن كرامة الإنسان لا تنفصل عن حقه في أن يعمل بإنصاف، وأن يُعامل باحترام، وأن يرى ثمرة جهده جزءًا من بناء مجتمعه لا مجرد وسيلة للبقاء.

في اليمن، يكتسب هذا اليوم معنى أكثر إلحاحًا. فالعامل اليمني، في المصنع، والمزرعة، والورشة، والشارع، والمستشفى، والمدرسة، والميناء، ومواقع البناء، وحتى في الأعمال البسيطة التي لا يلتفت إليها كثيرون، يقف في الصفوف الأولى لمقاومة الانهيار اليومي.

قد لا يحمل خطابًا سياسيًا ولا يظهر في نشرات الأخبار، لكنه يحمل على كتفيه عبء استمرار الحياة. إنه يخبز، ويزرع، وينقل، ويبني، ويصلح، وينظف، ويداوي، ويعلّم، ويحرس ما تبقى من تفاصيل الحياة الطبيعية وسط ظروف قاسية.

إن أول ما يجب أن نتعلمه من يوم العمال أن العمل ليس مرتبة اجتماعية متدنية ولا مجرد مصدر دخل، بل قيمة إنسانية كبرى. فالمجتمع الذي يحتقر بعض المهن، أو ينظر إلى أصحاب الأعمال اليدوية والخدمية نظرة دونية، إنما يضعف نفسه من الداخل.

لا توجد مهنة شريفة وأخرى غير شريفة ما دام العمل نافعًا ونزيهًا ويخدم الناس. فالذي يكنس الشارع يحمي صحة المدينة، والذي يصلح الكهرباء يعيد النور إلى البيوت، والذي يزرع الأرض يؤمّن الغذاء، والذي يعلّم الأطفال يبني المستقبل، والذي يعمل بصمت في ورشة أو متجر أو حقل يشارك في صناعة الاستقرار.

ولذلك فإن التوعية الحقيقية في هذه المناسبة تبدأ من تغيير نظرتنا إلى العامل. لا يكفي أن نكتب عبارات الامتنان في يوم واحد، ثم نعود في بقية العام إلى تجاهل حقوق العمال أو التقليل من شأنهم.

المطلوب ثقافة عامة ترى في كل عامل إنسانًا كامل الكرامة، له أسرة، وطموح، ومشاعر، وحق في الأمان، وحق في الأجر العادل، وحق في الراحة، وحق في بيئة عمل لا تهدد صحته ولا تهين إنسانيته.

ومن المؤسف أن كثيرًا من العمال في بلادنا يعملون بلا ضمانات كافية، وبلا عقود واضحة، وبأجور لا تواكب تكاليف الحياة، وفي ظروف تجعلهم بين خيارين أحلاهما مر: إما قبول الظلم خوفًا من البطالة، أو المطالبة بحقوقهم مع احتمال فقدان مصدر رزقهم.

وهذه ليست مشكلة العامل وحده، بل مشكلة المجتمع كله. فعندما يُظلم العامل تضعف الإنتاجية، وتزداد الفجوة بين الناس، وينتشر الإحباط، وتفقد المؤسسات ثقة من يعملون فيها. أما حين يشعر العامل بالإنصاف، فإنه يعمل بإخلاص أكبر، ويحمي مكان عمله، ويرى نجاح المؤسسة نجاحًا له ولأسرته.

إن العدالة في العمل لا تعني الصراع بين العامل وصاحب العمل، ولا تعني النظر إلى أصحاب المؤسسات كخصوم. فالاقتصاد السليم يقوم على التعاون لا على العداء. صاحب العمل يحتاج إلى العامل، والعامل يحتاج إلى مؤسسة مستقرة، والمجتمع يحتاج إلى الاثنين معًا.

ولكن هذا التعاون لا يستقيم إلا على قاعدة واضحة: لا يجوز أن تتحول حاجة الإنسان إلى فرصة لاستغلاله، ولا يجوز أن يتحول الربح إلى مبرر لإهدار الكرامة. إن العلاقة الصحية بين العامل وصاحب العمل يجب أن تُبنى على الإنصاف، والشفافية، والتشاور، والاحترام المتبادل.

ومن المهم هنا أن نعيد الاعتبار لمبدأ التشاور داخل بيئات العمل. كثير من المشكلات لا تنشأ فقط من قلة الموارد، بل من غياب الحوار. عندما لا يُسمع صوت العامل، تتراكم الأخطاء الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات.

وعندما يشارك العمال في فهم التحديات واقتراح الحلول، يصبحون شركاء حقيقيين في التطوير. المؤسسات الناجحة ليست تلك التي تصدر الأوامر من الأعلى فقط، بل التي تصغي لمن هم في الميدان، لأن العامل القريب من التفاصيل يرى ما لا تراه المكاتب المغلقة.

كما أن يوم العمال العالمي فرصة للتأكيد على أن نهضة اليمن لن تتحقق بالشعارات وحدها، ولا بالمعونات وحدها، ولا بالخطابات التي تَعِد ولا تنجز. النهضة تبدأ من احترام العمل، ومن تحويل الطاقات المعطلة إلى طاقات منتجة، ومن تعليم الأجيال أن خدمة المجتمع شرف، وأن الإتقان قيمة، وأن الكسب الشريف عبادة اجتماعية بمعناها الأوسع، وأن الإنسان لا يعلو على غيره بما يملك، بل بما يقدمه من نفع.

وللشباب اليمني مكان خاص في هذا الحديث. فجيل كامل يواجه البطالة، وانسداد الأفق، والهجرة، وتراجع فرص التعليم والتدريب. وإذا أردنا أن نحمي المستقبل، فعلينا أن نربط التعليم بسوق العمل، وأن نشجع التدريب المهني، وأن نكسر النظرة السلبية إلى الحرف والمهن التقنية.

ليس كل نجاح مرتبطًا بوظيفة مكتبية، وليس كل مستقبل مشرق يبدأ من شهادة جامعية فقط. كم من بلد نهض بسواعد الفنيين، والمزارعين، والمهنيين، والمبتكرين الصغار، وأصحاب المشاريع المتواضعة التي كبرت لأنها وجدت بيئة تشجع ولا تحبط.

وفي المقابل، تقع على الدولة ومؤسسات المجتمع والقطاع الخاص مسؤولية أخلاقية وعملية في حماية العمال. فالقوانين العادلة لا قيمة لها إن بقيت حبرًا على ورق، والرقابة لا معنى لها إن كانت انتقائية، والنقابات إن فعّلت، لا تؤدي دورها إن تحولت إلى واجهات شكلية. المطلوب منظومة تحمي الحقوق، وتسهّل فرص العمل، وتدعم المشاريع الصغيرة، وتكافح الفساد، وتضمن أن الأجور وساعات العمل وشروط السلامة ليست مسائل ثانوية، بل أساس من أسس الاستقرار الوطني.

إن العامل ليس رقمًا في كشف الرواتب، ولا يدًا مجهولة في آلة الإنتاج، بل إنسان يحمل جزءًا من مصير الوطن. وحين نكرم العامل فإننا لا نمنحه فضلًا، بل نعترف بحقيقة بسيطة: لا وطن ينهض دون عماله. لا مدينة تُبنى دون بنّائين، ولا أرض تُثمر دون مزارعين، ولا مدرسة تقوم دون معلمين، ولا صحة تستمر دون ممرضين وأطباء وعاملين، ولا حياة يومية تستقيم دون آلاف الأيدي التي تعمل في صمت.

في يوم العمال العالمي، لنجعل التحية بداية لا نهاية. لنسأل أنفسنا: كيف نعامل من يعملون معنا ولأجلنا؟ هل ندفع الأجر في وقته؟ هل نحترم وقت العامل وراحته؟ هل نُقدّر أصحاب المهن البسيطة؟ هل نربي أبناءنا على احترام كل عمل نافع؟ هل نرى في العامل شريكًا في الحياة أم مجرد وسيلة لخدمة حاجاتنا؟

إن بناء اليمن الذي نحلم به يبدأ من هذه الأسئلة الصغيرة. يبدأ من ضمير صاحب العمل، ومن إتقان العامل، ومن عدالة القانون، ومن وعي المجتمع. وحين يصبح العمل مقرونًا بالكرامة، والإنتاج مقرونًا بالإنصاف، والنجاح مقرونًا بخدمة الناس، عندها لن يكون يوم العمال مجرد مناسبة سنوية، بل خطوة في طريق وطن أكثر عدلًا، وأكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على النهوض.