الخميس، 30 أبريل 2026 | الموافق ١٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الحوثيون وإدارة أزمة البقاء قراءة في ظاهرة الجاسوسية

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

بدلاً  من أن تضعف هذه المظالم جماعة الحوثي فإنها تعزز لديهم القناعة ،بأن الرحمة ستكون غائبة عنهم في المستقبل فيستمرون في الدوران في حلقة مفرغة من العنف، لضمان البقاء ليوم إضافي، وهذا هو ما يحول هذه الجماعه من إدارة سلطة أمر واقع بمسؤولياتها وخدماتها إلى إدارة أزمة بقاء دائم والدليل المحوري على هذه الإدارة هو ظاهرة الجاسوسية وأحكام الإعدام.

بعيداً عن العناوين العريضة لاعلام الحوثي الذي تختزل المشهد في معارك شرعية أو مؤامرات خارجية، لا يمكن فهم ظاهر الجاسوسيه وأحكام الإعدام المتتالية التي ينفذها بين الحين والاخر سلطة الحوثي بحق عشرات اليمنيين، بتهمة التجسس كإجراءات قانونية أو أمنية في الحقيقه هي ( آلية دفاعية تستخدمها سلطة الحوثي بغاية خلق حالة من الالتفاف الشعبي القسري حول السلطة عبر الترهيب).

الغاية الحقيقية لظاهرة التجسس الحوثية ليست معاقبة جواسيس مفترضين، بل إرسال رسالة واضحة للمجتمع اليمني مفادها أن تكلفة التفكير في البديل هي الفناء، هنا يكمن الابتكار السياسي المظلم للجماعة استبدال شرعية الأداء بشرعية الخوف، عندما يعدم اشخاص بتهمة الخيانة العظمى دون أدلة قابلة للفحص المستقل، فإن الرسالة لا تتوجه إلى المتهم بل إلى الملايين الذين يراقبون أي تململ أو اختلاف ،سيعيد تعريفه سلطة الحوثي كخيانة والخيانة عقوبتها الإعدام.

تدرك جماعة الحوثي استناداً إلى أفعالها لا إلى تصريحاتها أنها استنفدت رصيدها الأخلاقي والسياسي، أرتكبت أشنع الجرائم بحق اليمن ،ومارست أفعالاً وأحدثت شروخاً في النسيج الاجتماعي والتاريخي نتيجة هذا الإدراك، في  الانتقال القسري من مرحلة الإقناع بالمشروعية الدينية أو الشعارات الوطنية، إلى مرحلة الحصار النفسي بظاهرة الجاسوسية.

تعمل أحكام التجسس كمصدات اصطدام هدفها تحويل المشهد من صراع بين سلطة وشعب، إلى صراع وجودي يوحي بأن سقوطنا يعني الفوضى للجميع، وبقاؤنا مرهون بخضوع الجميع، إنها معادلة اختزالية إما أنت معنا أو أنك عميل يجب تصفيته ،لنُفكك ظاهرة الجاسوسيه ومصطلح الخيانة في هذا السياق، إنه ليس مفهوما قانونيا بل هو غطاء بلاغي لإعادة تعريف الولاء، فالولاء للجماعة يعاد صياغته كولاء مطلق للوطن ،وأي خروج عن مسار الجماعة يصنف تلقائياً كخيانة لله والوطن ،هذه الآلية تسمح للجماعة بتحييد أي معارضة ولو كانت وطنية أو إنسانية ،تحت ذريعة الأمن القومي، و النتيجة توحيد الصف الداخلي للجماعة عبر خلق عدو خارجي وداخلي وهمي ،وتثبيت أركان الخوف من انتقام القادم أي الحوثي نفسه

النتيجه هنا تتجاوز العاطفة المحدودة التي  تآكل الشعارات مع  استمرار الانتهاكات والحرمان من الخدمات الأساسية، كلها عوامل جعلت سلطة الحوثي تنتج ظاهرة التجسس كعقد اجتماعي بديل بينها وبين المجتمع ،و لم يعد الرابط هو الرضا أو الإجماع بل الخوف .

لكن المفارقة المأساوية أن هذه الآلية تؤسس لانفجار مجتمعي لا يمكن التنبؤ بتوقيته ،لكنه حتمي كنتيجة للاحتقان المكبوت والخوف يشل الحركة الفردية ،لكنه يضغط الجماعة ككل نحو نقطة الانهيار.

فالإفراط في استخدام العدالة الجنائية كأداة سياسية يغلق أبواب الحوار، فمن يمارس الإقصاء عبر الإعدام يدرك ضمنياً أنه لم يعد يملك ترف التراجع أو القبول بتسويات وطنية شاملة، هذا يجعل المشهد اليمني يتجه نحو نظرية الصفرية، إما نحن أو هم دون مساحات رمادية، هنا تتراكم الذاكرة الثأرية فبدلاً من استيعاب اليمنيين تخلق هذه الممارسات مخزونا هائلا من المظالم.