الأحد، 10 مايو 2026 | الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

اليمن.. خيارات الداخل أولًا

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

غالباً ما تكون الحلول السياسية الآتية من الخارج حلولًا خاطئة وقاتلة ، والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة، إذ لا يوجد حلٌّ واحد يُعتدُّ به الآن كنموذج ناجع .

اليمنيون، إذا ما استمرّوا على هذا الحال، فإنهم سيفقدون كل شيء؛ فبعد أحد عشر عامًا من الحرب ، لا تبدو فرص النجاة متاحةً لهم، بل على العكس، سيبقون يدمرون بلدهم في دوامةٍ تدور على أنقاض الحاضر والمستقبل معًا.

على هذا الأساس، ينبغي أن تكون هناك توافقات سياسية وطنية، عادلة ومنصفة للجميع بلا استثناء . وهذه التوافقات يجب أن تكون تجسيدًا حقيقيًا لتطلعات اليمنيين في دولة المستقبل المنشودة؛ دولة تُبنى من الداخل أولًا، حاملةً جوهر حلٍّ وطني، قبل أن تكون انعكاسًا لرغبة إقليمية أو رؤية دولية خارجية .

شخصيًا، لطالما دعوتُ القوى السياسية المختلفة إلى التمسك برؤية مؤتمر الحوار الوطني، باعتبارها السبيل الوحيد والمتاح الذي يمكن التعويل عليه الآن .

لماذا أعتبرها الرؤية الوحيدة؟ لأنها الرؤية المتوافَق عليها من أغلب القوى الوطنية، وتحظى بدعم إقليمي وعربي ودولي، وهي الخارطة التي صاغها اليمنيون بأنفسهم، وفي ظرفية وطنية ثورية استثنائية قلما تتكرر في التاريخ .

ربما سيقول قائل: وماذا عن الجماعة الحوثية؟ وأين المكونات الجنوبية المقاطعة أصلًا لمؤتمر الحوار؟ وماذا عن مكون حراس الجمهورية؟

الإجابة: الجماعة الحوثية، للأسف، هي من انقلب على تلك التوافقات أولًا، ثم أصبحت لاحقًا مكشوفة بلا غطاء، إذ تحولت إلى ذراع سياسية وعسكرية تابعة لإيران، لا تختلف عن حزب الله والحشد العراقي، وهنا مكمن الخطر .

ولذلك، هي من يقرر ويُبدي حسن النية، وإن كنتُ أستبعد ذلك، لكن ذلك لا يعني قطع الطريق إذا ما عادت إلى جادة الحق؛ فالأوطان تُبنى بالتسامح المشروط، لا بالإقصاء المطلق .
وبالنسبة لمكونات الجنوب الداعية إلى استعادة الدولة أو الاستقلال أو التحرير، فهي معنية بضرورة التوافق الوطني لإيجاد حل سياسي شامل لكامل اليمن .

ومع احترامي لتلك الحلول الجزئية المتخذة خلال الأعوام الفارطة، فإن الواقع أعمق وأعقد بكثير من تلك الدعوات أو الرؤى الموضوعة .

فالدولة اليمنية غائبة فقدت أركان وجودها، لقد ضُربت هذه الدولة في مقتل، والمهم اليوم هو استعادتها ، فدون حضور الدولة، تصير الحالة مرشحة للفوضى الشاملة، ويستحيل معها استعادة دولة أو انسلاخ كيان؛ ففي ظل طغيان الفوضى لا ينتصر أحد، ويخسر الجميع.

أما مكون حراس الجمهورية، فيبدو أن قادته أدركوا، ولو متأخرين، ومثلما يقال: "أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي"، فإن العبرة في إدراك الحق والعمل به، لا في توقيت الإدراك فحسب، بل في الشجاعة على تجاوز أخطاء الماضي وفتح صفحة جديدة عنوانها اليمن أولًا .

وفي كل الأحوال، توجد مثبطات ومعرقلات لهذه الحلول السياسية المتوافَق عليها، ومهما كان حجمها، لا بد أن يعي اليمنيون أن السلطة الشرعية يجب أن تقود المرحلة الانتقالية عمومًا .

كما عليهم أن يدركوا أن مقررات مؤتمر الحوار أفضل لهم من أي حلول متوافقة مع رغبات ومصالح الخارج؛ فأهل مكة أدرى بشعابها ، ومن يراهن على دعم الخارج ومساندته لحلول سياسية جزئية ، فإنه كمن يرهن مصير وطنه وشعبه للخراب والفوضى ، فدعم الخارج ومساندته يجب أن يكونا متوازيين مع حلول الداخل وخياراته، وإلا فالنتيجة خراب وعبث وضياع .

إن كل حلٍّ لا يختمر في ضمير اليمنيين أولًا، سيكون مجرد نسخة أخرى من المأساة، مؤجلة في الزمان، لكنها آتية لا محالة .
فهل يدرك اليمنيون أن خلاصهم الحقيقي لا يأتي بوصفة سحرية متوافَق عليها في عواصم الخليج أو أمريكا أو إيران، بل يأتي من حاجتهم الملحة للتنمية المستدامة ، وهذه التنمية لا تتحقق إلا في ظل دولة مستقرة سياسيًا ومجتمعيًا .
كما وهذا الحل ينبغي أن يكون مجسدًا لرغبتهم في التغيير لمجمل أوضاعهم المعيشية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، بحيث يلتمسون التغيير في قراهم المنهكة وفي أزقة مدنهم المثقلة بالحنين إلى وطنٍ لم يعد يشبههم .
نعم ، في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ، أمام اليمنيين خياران لا ثالث لهما ، فإما أن يصنعوا دولتهم بعقولهم وبأيديهم ، أو أن يدفنوها بحماقاتهم وبأيديهم أيضًا .