الأحد، 10 مايو 2026 | الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

جودة التعليم أولاً… والأستاذ الجامعي يموت جوعاً

جودة التعليم أولاً… والأستاذ الجامعي يموت جوعاً

في مفارقة سياسية بالغة الدلالة، ينعقد اجتماع مجلس التعليم العالي برئاسة دولة رئيس مجلس الوزراء، ويتصدر جدول أعماله الحديث عن “جودة التعليم” و“الاعتماد الأكاديمي” و“تطوير المخرجات”، بينما يغيب العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة: الأستاذ الجامعي نفسه؛ ذلك الذي يُفترض أنه حجر الزاوية في أي إصلاح تعليمي.

لكنه اليوم يعيش تحت ضغط الجوع، وتآكل الدخل، وانعدام الاستقرار المعيشي. وهكذا يتحول خطاب الجودة إلى خطاب تقني معزول عن الواقع الاجتماعي الذي يُنتج التعليم ويمنحه معناه.

إن هذه المفارقة لا تكشف مجرد خلل إداري في ترتيب الأولويات، بل تعكس فجوة بنيوية بين خطاب الإصلاح التعليمي وبين البيئة الفعلية داخل الجامعة اليمنية. فبينما تُناقش مؤشرات الجودة والاعتماد الأكاديمي داخل قاعات رسمية، تتآكل القدرة المعيشية لمن يُفترض أنه صانع هذه الجودة، في تناقض صارخ يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى أي إصلاح لا يبدأ من الإنسان الذي يحمل العملية التعليمية.

وتتجلى الأزمة بوضوح في تدهور شروط الحياة الأساسية، وفي مقدمتها السكن، حيث تجاوزت الإيجارات (700–1000) ريال سعودي للشقق المتواضعة، في ظل غياب قدرة الدولة على ضبط سوق يمس الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر. وفي المقابل، انهارت رواتب أعضاء هيئة التدريس من نحو (1500 دولار) إلى أقل من (150 دولاراً)، بما يجعل استمرار العملية التعليمية تحدياً وجودياً، لا مجرد أزمة مهنية عابرة.

إن خطورة هذا المسار لا تكمن في أبعاده المعيشية فقط، بل في نتائجه البنيوية على الجامعة ذاتها؛ إذ إن إفقار الأكاديمي يعني عملياً إضعاف البحث العلمي، وتراجع جودة التعليم، وتحويل الجامعة إلى مؤسسة شكلية فاقدة لوظيفتها المعرفية.

وفي ظل استمرار المعالجات الجزئية والتسكينية، تتسع دائرة الانهيار، وتتسارع هجرة الكفاءات، بما يهدد بتفريغ الجامعة اليمنية من مضمونها العلمي تدريجياً.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد تطوير التعليم: كيف يمكن إنقاذ التعليم العالي قبل انهياره الكامل؟

إن الأستاذ الجامعي في اليمن اليوم لم يعد يطالب بامتيازات، بل بالحد الأدنى من البقاء، باعتبار أن إنقاذه لم يعد خياراً إدارياً، بل شرطاً وجودياً لإنقاذ الجامعة والدولة معاً.