الإثنين، 11 مايو 2026 | الموافق ٢٣ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

اخفاء محمد قحطان انتهاكاَ للقيم المحلية اليمنية

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

‏يا لها من لحظة لئيمة، تتجمع فيها المعاذير الملفقة، لتسكت الناس عن سؤال حقيقي حول المصير السياسي لـ محمد قحطان.

فهذا - ممن يرى أو يشتهي الأحزاب كتلة صماء من العبودية - يُحيل السبب إلى خلافات قحطان التنظيمية الداخلية، وكأن الأحزاب والتنظيمات السياسية لا تعيش ولا تشهد التجاذبات والرؤى السياسية الحادة. وليته فحص أوجه الجدل الذي كان يخوضه قحطان داخليًا، وإلى أي مجال كان يدفع ويميل.

وذاك يرى أن موقف قحطان في 2011 من نظام صالح، ومن صالح شخصياً، يبرر أن يسقط البلد في جحيم جريمة سياسية كهذه؛ فيُجرَّم -بشكل أو بآخر- ذلك الموقف وكل من شارك فيه، وكأن العقاب الفردي الذي يناله قحطان هو تكثيف لعقوبة جماعية موجبة النزول على كل من قامر وغامر وطالب بالتغيير.

وثالث يرى أن انتماء قحطان السياسي وموقعه في حزب الإصلاح سبب كافٍ لأن تُنزَل بفرد وبأهله عقوبة الإخفاء القسري. ومن منطلق العداوات السياسية البغيضة، يكفي أن ينتمي يمني إلى حزب ما لينال هذه العقوبة، وليصبح ورقة بيد سجان مغتر لا يعتبر بالتاريخ، يجعل خبر حياة شخص وموته مجرد ورقة تفاوض.

يذهبون أبعد من ذلك حين يهمسون بأن الانتماء الجهوي لقحطان يبرر كل هذا الصلف والغرور، فهو في الأخير من منطقة "لم تغثه القبيلة". يوحون للناس: طموحكم في المدنية والفردانية والتحديث في غابة القبيلة، يجردكم من التضامن والمناصرة. عودوا إلى القبيلة تائبين!

والحقيقة أن قحطان يلاقي، مصير شركائه في العمل السياسي، وخصوصًا جار الله عمر، الذي اختصر قاتله عليه حلقة العذاب وكثفها في طلقة واحدة، وفي لحظة واحدة؛ بينما قُدِّر لقحطان أن يتمادى عذابه على ربوع هذا الوطن.

إن كل العوامل السالفة يمكن أن تكون عنصراً من عناصر فهم ما يدور للسياسي في اليمن، ويمكن إضافة شيء آخر إليها، وهو أن إخفاء قحطان يحكي رغبة حقيقية في إذلال القوى السياسية اليمنية، وعلى رأسها حزب الإصلاح، الذي إن سكت فإنه يخسر قواعده، ويظهر عاجزاً ً عن الدفاع عنها، فتتراجع عن معركتها في صف الحكومة، وإن تجاسر وطالب بمفرده وتولى ملف قحطان، فإنه يجعل الثمن باهظًا يأتي على كل مكاسبه السياسية، ويقطع ما اتصل من عُرى التفاهمات.
ليس حزب الإصلاح وحده الرهينة، بل إن الأمر يشمل كل القوى السياسية اليمنية، وبهذا فإن الحكومة الشرعية برمتها في قيد الاختطاف أيضًا، وفي قيد الإخفاء السري.

ثم إن هذه السياسة المتبعة مع ملف قحطان لا تقتصر على الحكومة اليمنية، بل تشمل المنظومة الأممية المشرفة على الحياة السياسية وبناء السلام في اليمن. فقحطان كان واحدًا من المشمولين بقرار مجلس الأمن، فإن خرج بعضهم ضمن صفقات سياسية، وإذا اعتبرنا ذلك الإفراج نجاحًا في الملف السياسي للوساطة الأممية، فإن الإبقاء على ملف قحطان على هذا النحو يمثل أيضًا فشلًا وامتهانًا مريعًا.

صححوا النظر إلى محمد قحطان؛ نظرة مجردة عن الانتماء السياسي، نظرة تقع فقط على الإنسانية، وعلى القوى الحية التي تخشى على نفسها، ولديها استعداد لأن تضحي من أجل القيم والحرية الشخصية وسلامة الفرد، وأن تتحرك مجددًا خارج خصوماتها السياسية؛ لأنها بصمتها هذا تضع نفسها -أو اسمها- تاليًا في قائمة الانتهاكات المرتقبة، ليس بالضرورة على يد الجماعة الحوثية (وإن كانت هي الأكثر تأهيلًا لهذا النوع من الممارسات)، ولكن ربما على يد جماعات أخرى جديدة تنشأ، طالما تقاعس المجتمع المدني عن الدفاع عن حياة الناس وحقوقهم، وعن حق الأسرة في أن تعرف مصير ابنها وعائلها.

يُعد إخفاء قحطان انتهاكًا للقيم المحلية اليمنية التي تعطي كبير السن والمريض استثناءً خاصًا يعكس التزامها بشرف ما. فأي شرف بقي لدى السجان؟

يا لها من لحظة مؤلمة أن تتحول حياة شخص كهل إلى ورقة يتسلى بها جلاوزة مستهترون، يفرحون بقدرة الاذلال ، ويتكئون على صمت وتخاذل مناوئيهم إزاء قضية قحطان بسبب شهوة الانتقام من خصومهم في الماضي.

يخسر الإصلاح شخصية سياسية فريدة كانت قادرة على انتشاله من بؤس "المكالحة" والإسفاف والتطفل على الفرد والمجتمع بالاحتشار الأيديولوجي ،والدعوي نحو فضاء السياسة ذات النفع العام، والملتزمة بمسطرة الحقوق والحريات. وتخسر البلاد قدرتها على الدفاع عن حق الفرد في أن يحيا حرًا طليقًا كريمًا، لا يناله أذى، ولا يصل التنكيل إلى ذويه.

والصامتون عن اختفاء قحطان يخسرون - ضداً لخيالهم- شريكًا كان سيساعدهم في تحويل تنظيم سياسي متخم بتجاربه القتالية وأيديولوجيته الراديكالية الدخيلة شبكية الارتباطات ، إلى فاعل سياسي يمني يشارك في بناء بلد للذهاب نحو المستقبل بالديمقراطية والعمل السلمي والحياة السياسية المعافاة.

يمكن لمن يؤمن بالعمل السياسي كمبدأ أن يختلف أشد الاختلاف مع محمد قحطان، وأن يخاصمه أشد الخصومة، وألا يفوّت سانحة إلا قارعه فيها؛ لكنه لن يتوانى أبدًا عن الدفاع عن حقه في الحرية.