الأربعاء، 13 مايو 2026 | الموافق ٢٦ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

الحقوق لا تسترد بالمصادرة أو فرض القوة على الضعفاء،

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

في خضم الجدل الذي أثير حول قضية مصادرة منزل ميرا صدام حسين، بدا مؤسفا أن ينحرف النقاش عن جوهر القضية الحقيقي: هل يجوز لرجل، مهما كانت مبرراته، أن يصادر منزل امرأة لا تملك سوى اسم والدها وإرثه الرمزي؟ وهل تتحول الخصومات السياسية والمالية إلى مبرر لسلب الحقوق بالقوة وفرض الأمر الواقع؟

فارس مناع حاول أن يبرر ما حدث بالقول إن أسرته كانت قد وردت شحنات أسلحة للحرس الجمهوري في عهد علي عبدالله صالح، وإن الدولة لم تسدد قيمتها، ولذلك قرروا أخذ “حقهم” من أملاك صالح الخاصة. ولو افترضنا جدلًا صحة هذه الرواية، فإن السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: ما علاقة ميرا صدام حسين بهذا النزاع؟ وكيف تصبح امرأة، لجأت إلى اليمن منذ سنوات، طرفا في تصفية حسابات مالية وسياسية لا يد لها فيها ولا جمل؟.

إن الحقوق لا تسترد بالمصادرة، ولا تؤخذ عبر فرض القوة على الضعفاء، وإلا لتحولت البلاد إلى غابة يأكل فيها الأقوى ما يشاء باسم “استرداد الحقوق”. وإذا كان لدى فارس مناع وثائق ومطالبات مالية، فلماذا لم يطالب بها أيام الدولة، أما أن ينتزع منزل من امرأة بحجة أن البيت كان ضمن ممتلكات مرتبطة بعلي عبدالله صالح، فذلك يفتح بابا خطيرا لا يقف عند بيت ميرا، بل يهدد فكرة الملكية والحق والأمان لكل الناس..

الأكثر انحدارا في هذه القضية لم يكن فقط المصادرة نفسها، بل حالة التشفي والقبح التي ظهرت لدى بعض الأصوات التي تركت أصل المأساة وانشغلت بالطعن في نسب ميرا صدام حسين. وكأن القضية أصبحت تحقيقا في شجرة العائلة بدلا من مناقشة حق إنسانة في الأمان والسكن والكرامة..

سواء كانت ميرا ابنة الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين أم لا، فذلك لا يغير شيئا في أصل القضية. فالحقوق لا تبنى على الأنساب، والظلم لا يصبح عدلا لأن الضحية تحمل اسماء مثيرا للجدل. إن تحويل النقاش من مصادرة منزل امرأة إلى السخرية من نسبها يكشف حالة الانحدار الأخلاقي لدى بعض من تصدروا المشهد فقط بحثا عن “الترند” والضجيج الرخيص..

وقد كان مؤلما أيضا أن نرى بعض من يتاجرون بالدين حينا وبالكفر حينا آخر والتحلل من كل قيمة، ينهالون على امرأة مكسورة استنصرت الناس بما تبقى من كرامة، فبدل أن تجد من يخفف عنها، خرجت عليها جموع من الساخرين والمتشفين، يتقيؤون أحقادهم وقبحهم الأخلاقي أمام الرأي العام. هؤلاء لا يدافعون عن حق ولا عن وطن، بل عن حضور زائف في مواقع التواصل، ولو كان الثمن سحق إنسانة ضعيفة..

ومع ذلك، فإن اليمن لم يخل من الرجال أصحاب المروءة. فقد برزت مواقف تؤكد أن قيم القبيلة اليمنية الأصيلة ما زالت حية، وأن نصرة المظلوم ليست شعارا فارغا. ومن بين تلك المواقف، موقف الشيخ حمد بن فدغم الذي عبر بوضوح عن أن أعراف القبيلة لا تقبل التعدي على امرأة أو سلبها حقها تحت أي مبرر وقبله أحمد المكش، مؤكدين أن الكرامة والنجدة ما تزالان بخير لدى كثير من اليمنيين..

القضية اليوم ليست قضية ميرا وحدها، بل قضية قيم: هل يبقى اليمن بلد النخوة والنجدة، أم يتحول إلى ساحة يبرر فيها الأقوياء كل شيء بالقوة؟ الإجابة الحقيقية ليست في بيانات التبرير، بل في موقف الناس الأحرار الذين ما زالوا يؤمنون أن نصرة المظلوم شرف، وأن الكرامة لا تتجزأ..