الجمعة، 15 مايو 2026 | الموافق ٢٨ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

‏الكاريزما الشخصية وبناء الدولة

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

هل يمكن في بلدٍ جمهوري مضطرب وغير مستقر وحديث التكوين أن تخلق الكاريزما الشخصية للـ "الزعيم" دولة مؤسسات؟

يخطر في بالي هذا السؤال بعد قراءة خبر تبرع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح بمبلغ مليار ريال لمعالجة جرحى مأرب.

معالجة الجرحى أو التبرع الشخصي من أجلهم أمر محمود، ولا يمكن لأحدٍ في ظاهر الأمور أن يصدر تعليقًا سلبيًا على الخبر أو يبدي نظرة ناقدة. فسيظهر في المقام الأول وكأنه معادٍ لمعالجة أشخاص افتدوا الوطن في معركة كهذه أو إنه يحمل عداءً شخصياً مسبقاً للمتبرع .

لكن منطق الدولة أمر مختلف. حديثنا هنا يتخذ من هذه المناسبة فرصةً لدفع الناس إلى التفكير في الطريقة التي تُدار بها شؤون الدولة، خصوصًا المحليات، بوصفها شأنًا شخصيًا جدًا. ستجد أخبارًا عديدة تتوزع هنا وهناك من قبيل:
«وجّه الوزير الفلاني بفعل كذا وكذا»،
«وجّه المحافظ الفلاني بفعل كذا وكذا»،
«وجّه العضو الفلاني بفعل كذا وكذا».

وأحيانًا تأتي التوجيهات بشكل يعطي رسالة سلبية وإساءة بالغة لإدارات وهيئات الدولة. يقولون لنا: «وجّه وزير الداخلية بالقبض على القتلة أو المجرمين»، وكأن أجهزة الأمن لم تتحرك أصلًا، ولم تقم بدورها ومهامها، وكأنها هناك فاغرة الفم تنتظر التوجيهات لتقوم بأبجديات عملها.

هذه الشخصنة المفرطة للأداء العام للحاكمين هي التعبيد الناعم لطريق فقدان الدولة؛ لأننا نبرز الشخص ـ في أسوأ مواقع الإبراز ـ ونخفي الدولة. ونعلم جيدًا أن الأشخاص زائلون، إما بما يرتكبونه من أخطاء بعد أن يكونوا قد وصلوا إلى أعلى مراتب الزعامة، أو لأنها طبيعة الحياة، بينما الدولة باقية، متحولة، وتطورية.

تبدو هبات الحاكم "الجمهوري وابن الدولة" ابتذالًا للسلطة واحتكارًا لها في غير محله. وربما مثل هذه الأخبار تعلي من شأن الكاريزما الشخصية، لكنها تصلح لبلدان أميرية أو ملكية، حيث يجب أن يحضر الملك أو الأمير ويبدو شخصيًا كريمًا أعلى من الدولة. وهو في هذه الحالة يعمل على تماسك نظامه وتماسك الدولة.

بينما في بلد جمهوري، تعمل مثل هذه الأخبار بالعكس تمامًا؛ فلا الوزير سيتحول إلى أمير، ولا سيعمل ذلك على تماسك الدولة.

لأنه ببساطة شديدة، عندما يزول أو يذهب عن المنصب، تذهب معه الكاريزما الشخصية التي قامت عليها السلطة، فتزول السلطة وتتهاوى البلاد.

أمامنا في حكم الرئيس الراحل علي عبدالله صالح عِبرة؛ فقد كان بيننا، لقرابة أربعة عقود، حاكمًا بارزًا متألقًا. وأربعة عقود في عمر الشعوب تعني جيلين من الأفراد، وتعني غرس ثقافة ما، وإحداث تحول، وبناء أطر مؤسسية راسخة.

لكن في ظل الكاريزما الشخصية، تذوب السلطة بغياب الشخص. بالمقابل، فإن الدولة الحديثة تقوم على ظهور كاريزما بيروقراطية، كما يشدد على ذلك ماكس فيبر، الذي ميّز بين ثلاثة أنواع من الكاريزما، ورأى فيها ملامح الانتقال من الدولة التقليدية إلى الدولة الحديثة عبر الكاريزما البيروقراطية.