في واحد من نصوصه الجميلة والطريفة، كتب المبدع Fekry Kasim فكري قاسم قبل سنوات طويلة نصاً يختزل فيه سمات الشخصية اليمنية، انطلاقاً من ملاحظات كاتب يمتلك عيناً أنثروبولوجية؛ ومما ذكره: أن اليمني يفعل الشيء، ثم يستشيرك لاحقاً.
وهذه ملاحظة طريفة، وبقدر ما تحمله من طرافة في الموقف، إلا أنها تكشف عن آلية اتخاذ القرار لدى الفرد؛ حيث يتسرع الواحد منا في اتخاذ قراراته، صغيرة كانت أم كبيرة، ثم يلتفت حوله باحثاً لا عن مشورة، بل عن تطمينات تُهَدْهِدُ مخاوفه حول سلامة وسداد ما فعل، طالما كان القرار قد اتُّخذ بلا روية وغير مدروس دراسة كافية. وبالطبع، حتى وإن كان الأمر شخصياً وحميمياً، فإنه لا يأخذ حقه من التمحيص والدراسة والتشاور.
دوامة الوقت والعدادات الذهنية
شخصياً، وبعد اخذ مسافة من النمط الحياتي اليومي في اليمن، أُحيلُ هذا الأمر إلى دور القات في العمليات الذهنية لدى اليمني. وقد لفت انتباهي قبل يومين منشور للصديق وضاح، يتحدث فيه من واقع تجربته في العمل الطبي المخبري، عن كيف أن المريض اليمني، إذا ذهب الخارج يمتثل للإجراءات الاعتيادية الطبية، وإذا كان في اليمن يريد إنجاز فحوصاته الطبية في نصف ساعة!
وعلل الأمر بأن اليمني مستعجل لأنه يريد اللحاق بسوق القات لشراء حاجته. هذا الهلع سببه البحث عن القات، لكنني في تعليق شخصي قلت له:
"لماذا لا يكون الهلع والاستعجال سببه ليس الركض من أجل القات، بل هو ناتج بسبب القات نفسه، وكيف أنه يربك العدادات الذهنية؟"
أتذكر نصاً جميلاً للمبدع محمود ياسين كتبه قبل سنوات، وتطرق فيه إلى كيف أنه خرج من مقيله، ومر ببائع ملابس في رصيف شارع الزبيري جواز البنك العربي، فأقنعه البائع بشراء “كوت”. وعندما وصل البيت وجرّبه أدرك أن اللون الأصفر ليس من ألوانه المفضلة تماماً! وهذا المثال الواقعي يدور في فلك القات، وحول قرار اتُّخذ أثناء التخزين أو في ما بعد المقيل.
جغرافيا القات واقتصاد الهلع
لم يعد من الممكن إخفاء حقيقة أن حياة اليمني تدور حول القات، ومن أجل القات، ونتيجة للقات. وهذه السنوات الأخيرة هي سنوات ذروة انتشار زراعته؛ وقد سبق أن كتبت عن ذلك بأسى وتحسر وأنا أشاهد صور اليمن "الخضراء" في وسائل التواصل، لاكتشف لاحقاً أنها مدرجات قات في الأغلب! بل إن القات غزا أراضٍ ما كان يُزرع فيها تاريخياً، وأصبحت مناطق مثل (البركاني، والضباب، والحبيلين) مزارع قات، بعد أن كانت سِلالاً ممتلئة بالخضار والطماطم والمانجو والباباي.
إن ذروة حياة اليمنيين المهنية والتعاملات اليومية تنحصر بين الساعة العاشرة صباحاً والواحدة ظهراً؛ هناك تُنجز المعاملات، وتُتخذ القرارات، وتنتاب الناس حالة هلع واستعجال غير مبررة، فيقتنعون بأنصاف الحلول، ويشترون ما لا يرغبون، ويؤجلون أشياء إلى الغد، مع أنه من الممكن إنجازها بهدوء بعد الظهيرة.
القات مُعامل صنع قرار سياسي وعسكري
يمكننا قياس هذا الأمر سياسياً وحربياً؛ فقرارات اليمنيين متهورة بلا تأنٍ ولا دراسة. خذوا أي مثال، نعم.. أي مثال بلا استثناء، ستجدون أن القات يقع في صلب العملية السياسية وبرمجة المعارك.
• ما الذي دفع عيدروس مثلاً أن يبعثر قواته من عدن إلى صحراء حضرموت ويسقط مشروعه السياسي بضربة قاضية؟
• وقبل ذلك، ما الذي دفع بالجماعة الحوثية في نهاية 2014 إلى إرسال أرتال أطقمها المسلحة إلى الحديدة وتعز وعدن وأبين، لتجلب على نفسها تحالفات عسكرية جعلت من حرب اليمن حرباً لم يعرف اليمنيون في عصرهم الحديث مثيلاً لها في طولها الزمني، وعمقها، وتأثيرها الاقتصادي والاجتماعي؟
انظروا إلى التفاهمات السياسية والاتفاقات بين اليمنيين منذ سنوات : قرار تحقيق الوحدة بين صالح والبيض، اتفاق الأردن، اتفاقات الحكومة والحوثيين على امتداد الحروب الستة، اتفاق تخلص صالح عن السلطة او ما يسمى بالمبادرة الخليجية، اتفاق نقل السلطة وتشكيل مجلس الثمانية، اتفاق ستوكهولم والعيوب المتناقضة فيه . ستجدونها غير مكتملة، إنصاف حلول، ساعة شيطان، لا تنظر إلى المستقبل ولا لجنة تفسيرية وبنصوص غامضة.
من منا يستطيع إنكار دور وتأثير القات في بناء وتدمير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على الصعيد الشخصي وبطريقة غير مبررة؟
قرأت قبل أيام عن عرس في المناطق الوسطى تعثّر لساعات بسبب "مزاج" أسرة العروس، فما كان من أقارب العريس إلا أن دفعوه إلى طلاقها (قبل الدخول) والزواج من أخرى في غضون أقل من ست ساعات!
لو نظر الواحد إلى داخله وتأمل في العلاقات المحيطة به على الصعيد الشخصي والعائلي سيجد كيف انها "تعتصد عصيد" بسبب تاثيرات القات من غضب واستنفار وتقلب مزاج وتهور.
تشويه المزاج العام والهوية البصرية
هذه هي حياتنا التي يدمرها القات تماماً: مزاجنا الفكري والثقافي، مزاجنا الفني، وطرق قضاء أوقات الفراغ والمتعة.
يقول خبراء الغناء اليمني إن الأغنية اليمنية تتقوقع حول جلسات القات وتنتج مزاجاً فنياً خاصاً بالقات وتحديداً الاغنية الصنعانية.
كتب قبل يومين الكاتب نشوان العثماني إطراء مستحقاً للفنان والعازف الجميل كمال نعمان. أشاركه إطراءه لكني أتحسر أن فناناً بهذه الإمكانيات أسير جلسات القات وطقوسها.
حين أقلب في منصة "إنستغرام"، أرى مقاطع تأتي من كل دول العالم، خصوصاً تلك التي تحتوي على طرائف ونكت أو لوحات راقصة وغنائية. لكن اليمنيين يظهرون بشيء ليس له مثيل في العالم: خدود منتفخة، وفكوك معوجه وأفواه تفيض بالقات وأغانٍ ونكات تدور في فلك "زبج" القات. وتقريباً أصبحت هذه ظاهرة بصرية تشمل كل اليمنيين من مختلف مناطقهم (تنجو محافظات الشرق قليلاً، لا أكثر).
ودخلت النساء في الخط أيضاً؛ جيل جديد من الفتيتات باسماء مجهولة، صورهن وطريقة اجتذاب الباب تتوقف على صور أغصان القات وجلسات القات "الواعدة بالحميمي"؛ اياد صفراء نحيلة، أو وجوه عابسة من سهر بالبارحة مع سمات شحوب وفقر دم.
حتى اليمنيات المهاجرات، ممن أصبحت حريتهن الشخصية ملك أيديهن، بعضهن لا يفعلن شيئاً جديداً بتلك الحرية غير الظهور السافر والعودة إلى مزاج القات ودورته، ولكن هذه المرة بملابس شبه داخلية، ووجوه ضامرة، وفك نحيل معوج بسبب التخزين!
سطوة الذهان والإنكار
إن حياتنا السياسية جديرة بالتأمل قياساً بتأثير القات؛ فهذا الارتجال الكبير في اتخاذ القرارات، والذهاب نحو الحرب أو إيقافها، لا ينتمي إطلاقاً إلى عالم السياسة حيث القرارات المدروسة، ودوائر الاستشارة، وصنع القرار المبني على الاستراتيجيات وأخذ اعتبارات عديدة للحسبان.
بين يوم وليلة تتغير الأمزجة، وينتقل الشخص من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ سَفَهٌ في التفكير، وتناقضات صارخة لا تنتمي إلى الممكن الإنساني الطبيعي في التناقض. نحن واقعون تحت سطوة شيء آخر: القلق المستمر، والهلع، والاستعجال.
هذا السلوك جدير بالدراسة من زاوية تجمع بين السياسة، علم النفس، وعلوم المنبهات والأعصاب. سلوك اليمنيين فيه شيء من "الذهان"؛ ارتباط عدمي بالقات، وانغماس قاتل معه، يقابله إنكار كبير لتبعاته.
كتبتُ سابقاً أرفض الربط الهابط أو المجازف بين القات والبن، وما زلت عند ذلك الموقف، لكن هذا لا يعني أبداً عدم إدراكي لمخاطر القات المدمرة في حياة اليمنيين.
إننا، وبكل أسف، سنندثر تحت تأثير هذه المادة القاتلة.




