عبد الرب الفتاحي + خاص
ظنّ العديد من المواطنين والموظفين في مناطق سيطرة المجلس الرئاسي أن عيد الأضحى هذا العام سيكون مختلفاً ومتميزاً، لكنه جاء مثقلاً بظروف معيشية واقتصادية معقدة، يرى مواطنون أنها ناتجة عن واقع الفشل الاقتصادي والسياسي والمالي، حيث بات الشعور السائد لدى كثيرين أن ما يحدث هو تضييق إضافي على أوضاعهم المعيشية، وحرمانهم من أبسط متطلبات الحياة.
وكان العيد بالنسبة لكثير من الموظفين فرصة ينتظرون فيها التزام الحكومة بمسؤولياتها، إلا أن تأخر صرف الرواتب أو عدم انتظامها زاد من حجم المعاناة، وسط اتهامات للحكومة بعدم إعطاء أوضاع المواطنين أولوية كافية، واتباع سياسات يصفها منتقدون بأنها تزيد من الضغوط على الموظفين.
ويقول زكي عبد الجبار إن الحكومة اختارت توقيتاً ضيقاً لصرف مرتب واحد فقط، رغم أن الفارق الزمني بين موعد الصرف وحلول عيد الأضحى كان يسمح بمعالجة أوضاع الموظفين بصورة أفضل، مضيفاً أن ذلك فرض مزيداً من الالتزامات والأعباء المالية على شريحة تعاني أساساً من ضعف الدخل.
ويفرض عيد الأضحى احتياجات مالية تفوق قدرة كثير من الموظفين، إذ يحتاج البعض – بحسب تقديرات متداولة – إلى ما يعادل عدة رواتب لتغطية تكاليف الأضحية ومستلزمات العيد الأساسية، بينما قد تتجاوز تكلفة شراء ملابس العيد لعائلة مكونة من خمسة أطفال نحو 150 ألف ريال، حتى في الحدود الدنيا للإنفاق.
ومع استمرار الحرب وغياب الحلول السياسية والاقتصادية، تضاعفت احتياجات اليمنيين، من الغذاء إلى الخدمات الأساسية، بالتزامن مع استمرار تأخر الرواتب، وهو ما ساهم في تعميق انعدام الأمن الغذائي وارتفاع مستويات الفقر، وسط تحذيرات متكررة من تفاقم الأوضاع الإنسانية.
وتشير تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي خلال السنوات الماضية إلى أن اليمن يعد من بين أفقر بلدان العالم، مع توقعات بإمكانية إنهاء الفقر المدقع بحلول عام 2047، شريطة توقف الحرب واستعادة مسارات التنمية والاستقرار.
كما أشار تقرير أممي صدر عام 2021 إلى أن اليمن تكبد خسائر تُقدّر بنحو 126 مليار دولار من النمو الاقتصادي المحتمل خلال سنوات الحرب الأولى، محذراً من أن استمرار الصراع حتى عام 2030 قد يؤدي إلى تداعيات إنسانية خطيرة، بينها ارتفاع أعداد الوفيات المرتبطة بالأزمة.
في المقابل، يرى خبراء اقتصاديون يمنيون أن الخسائر الحقيقية المتراكمة خلال أكثر من 11 عاماً من الحرب قد تكون أكبر بكثير، وقد تصل – وفق تقديرات غير رسمية – إلى نحو 500 مليار دولار، مع احتساب الخسائر في قطاعات الإنتاج والزراعة والبنية التحتية والخدمات العامة.
وفي تقرير نشرته وزارة التخطيط والتعاون الدولي مطلع مايو 2026، جرى تسليط الضوء على الكلفة الاقتصادية والإنسانية الهائلة للحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، وتأثيراتها العميقة على القطاعات الإنتاجية والخدمية والمعيشية.
وتناول التقرير مؤشرات اقتصادية وتنموية وإنسانية خلال عامي 2024 و2025، مشيراً إلى أن الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني بلغت نحو 126 مليار دولار حتى عام 2021، في واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية بتاريخ البلاد الحديث.
وبحسب التقرير، فإن آثار الحرب تجاوزت حدود تراجع النمو الاقتصادي، لتطال مستوى دخل الفرد، وفرص العمل، والأمن الغذائي، والخدمات الأساسية، والتنمية البشرية، في ظل استمرار تعثر الصادرات النفطية، وتزايد الضغوط على العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم والفقر والبطالة.
وتظهر البيانات الحكومية استمرار انكماش الاقتصاد اليمني بصورة حادة، إذ سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي تراجعاً بنسبة 43% بين عامي 2015 و2024، بعد انكماش سابق بنحو 50% خلال الفترة بين 2011 و2021، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي خلفته الحرب على مختلف القطاعات الاقتصادية.
كما يعكس هذا التراجع توقف عدد كبير من الأنشطة الإنتاجية والتجارية، وتعثر الاستثمار، وانخفاض القدرة الشرائية للسكان، وهي عوامل ساهمت في اتساع دائرة الفقر وتراجع مستويات المعيشة.
ويبرز التقرير حجم الاستنزاف الذي أصاب الاقتصاد اليمني، موضحاً أن الحرب دفعت البلاد إلى حالة ركود مزمنة، مع تقلص فرص النمو والتنمية، وازدياد الاعتماد على المساعدات الإنسانية.
ومن أبرز المؤشرات على التدهور الاقتصادي، الانخفاض الحاد في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، الذي تراجع إلى 471 دولاراً فقط خلال عام 2024، مقارنة بـ1430 دولاراً في عام 2014، ما يعني فقدان متوسط دخل الفرد أكثر من ثلثي قيمته خلال سنوات الحرب.
ويعكس هذا التراجع انخفاضاً واسعاً في القدرة الشرائية ومستويات المعيشة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتدهور قيمة العملة المحلية.
ومن جهة أخرى، تفاقمت اختلالات المالية العامة، وتراجعت قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية، بما فيها الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إضافة إلى تراجع الإنفاق التنموي والاستثماري.
كما ساهم انخفاض الإيرادات العامة في زيادة الضغوط على سعر صرف العملة المحلية، ما أدى إلى موجات متلاحقة من التضخم وارتفاع الأسعار، وهو ما يؤكد – بحسب باحثين اقتصاديين – أن فقدان الاقتصاد لموارده النفطية الرئيسية أدخل البلاد في اختلالات معقدة انعكست بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين، واتساع الفجوة بين الدخول ومستويات الإنفاق والمعيشة.




