الأربعاء، 24 يونيو 2026 | الموافق ٨ محرم ١٤٤٨ هـ
التقارير

تحقيق ألماني يكشف شبهات فساد واحتيال منظم في مشاريع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي باليمن

تحقيق ألماني يكشف شبهات فساد واحتيال منظم في مشاريع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي باليمن
خلاصة سريعة خلاصة سريعة

القضية تجاوزت حدودها الإدارية ،لتتحول إلى ملف سياسي بارز داخل ألمانيا، مما أعاد فتح النقاش حول فعالية برامج المساعدات التنموية ،وآليات الرقابة على المشاريع الخارجية.

كشف تحقيق أجرته صحيفة "فيلت" الألمانية عن شبهات فساد واحتيال ممنهج داخل مشاريع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) في اليمن، وسط تقديرات تشير إلى أن حجم الخسائر المحتملة قد يصل إلى نحو 100 مليون يورو.

وبحسب التحقيق، كانت الوكالة الألمانية على علم بمؤشرات المخالفات منذ وقت مبكر، إلا أنها وصفتها في خطابها العلني بأنها "مخالفات تجارية"، قبل أن تتوسع التقييمات الداخلية لاحقًا لتشمل شبهات "احتيال منظم".

وأشار التحقيق إلى أن استمرار عمل الوكالة في شمال اليمن طوال السنوات الماضية جرى في ظروف معقدة، في ظل سيطرة جماعة الحوثيين على صنعاء وأجزاء واسعة من البلاد منذ عام 2014، ما فرض على المنظمات الدولية ترتيبات تفاوضية مع سلطات الأمر الواقع لضمان تنفيذ البرامج الإنسانية والتنموية.

وأكدت الوثائق التي استند إليها التحقيق أن القسم المختص داخل الوكالة كان قد أعد تقييمًا مبكرًا للمخالفات المشتبه بها قبل نحو عام على الأقل، فيما جرى تداول تقديرات أولية منذ منتصف عام 2023 تشير إلى أن الأضرار المالية المحتملة قد تبلغ عشرات الملايين من اليوروهات.

وتطرق التحقيق إلى مسألة الوثائق الخاصة بالمشاريع، مشيرًا إلى أن الملفات الواردة من اليمن لم تكن مكتملة. ووفقًا لما أورده التقرير، فقد جرى إتلاف أجزاء من ملفات المشاريع عند انسحاب الوكالة من شمال اليمن الخاضع لسيطرة الحوثيين عام 2025. كما أفادت تقارير بأن وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية الألمانية (BMZ) وافقت على هذا الإجراء، الأمر الذي أثار تساؤلات قانونية بشأن إدارة الوثائق الرسمية ومدى الالتزام بمعايير الشفافية.

ورأى التحقيق أن المخالفات المشتبه بها تجاوزت نطاق الأخطاء الإدارية التقليدية، لتشمل شبهات فساد مؤسسي منظم، تمثل بعضها في صرف أموال مرتبطة بندوات ودورات تدريبية يُزعم أنها لم تُنفذ فعليًا، إلى جانب تضخيم فواتير الوقود وصيانة المركبات الخاصة برحلات ميدانية غير منفذة.

كما تناول التحقيق شبهات تتعلق بالتلاعب بأسعار صرف العملات والتحويلات المالية وإجراءات المشتريات، وهي ممارسات يُعتقد أنها استُخدمت في تدوير الأموال خارج الأطر الرسمية المعتمدة.

وأشار التقرير أيضًا إلى استمرار تعامل الوكالة مع بنك كويتي ـ يمني رغم تلقيها تحذيرات داخلية في عام 2023، قبل أن يُدرج البنك لاحقًا ضمن قوائم العقوبات الأمريكية على خلفية شبهات تتعلق بغسل الأموال وتمويل جماعات مسلحة.

ووفقًا للتحقيق، فإن التقديرات الخاصة بحجم الأضرار عُرضت على الإدارة العليا داخل الوكالة، لكنها لم تُرفع في حينها إلى مجلس الإشراف، رغم أن الأنظمة المنظمة لعمل المؤسسة تلزم بإطلاعه على مثل هذه المعلومات بما يتيح له ممارسة دوره الرقابي.

وأثارت القضية ردود فعل سياسية داخل ألمانيا، حيث طالبت أحزاب معارضة، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، بإجراء تحقيق شامل وشفاف لتحديد المسؤوليات المحتملة. في المقابل، دعا حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) إلى إنهاء المساعدات الخارجية وإلغاء وزارة التعاون الاقتصادي والتنمية، مستغلًا القضية لتوجيه انتقادات أوسع لسياسات المساعدات الألمانية.

وفي المقابل، دعت أطراف سياسية أخرى إلى تعزيز آليات الرقابة والشفافية وتحسين الحوكمة بدلاً من تقليص برامج الدعم، مؤكدة أهمية استمرار المساعدات الإنسانية والتنموية في مناطق النزاع.

وأشار التحقيق إلى أن الوكالة الألمانية للتعاون الدولي اتخذت سلسلة من الإجراءات الداخلية منذ أواخر عام 2022، شملت فصل أو إيقاف 24 موظفًا في مكتب اليمن، إضافة إلى تكليف شركة التدقيق الدولية "KPMG" بتقييم حجم الأضرار والتحقق من المخالفات المحتملة.

كما نفذت الوكالة مراجعات للأنظمة المالية وإجراءات المشتريات، مؤكدة تبني سياسة "عدم التسامح المطلق" مع أي انتهاكات أو تجاوزات.

وخلص التحقيق إلى أن القضية تجاوزت حدودها الإدارية لتتحول إلى ملف سياسي بارز داخل ألمانيا، أعاد فتح النقاش حول فعالية برامج المساعدات التنموية وآليات الرقابة على المشاريع الخارجية.

خصوصًا في البيئات المعقدة مثل اليمن، كما أثار تساؤلات إضافية بشأن قرار إتلاف وثائق المشاريع خلال عملية الانسحاب من مناطق سيطرة الحوثيين، ومدى توافق ذلك مع الأطر القانونية المنظمة لإدارة الوثائق الرسمية.