ظلت قضية اغتيال اللواء الركن ثابت مثنى جواس تراوح مكانها منذ مقتله في 23 مارس/آذار 2022، إثر استهداف موكبه بسيارة مفخخة أثناء عودته من أحد الأعراس، برفقة عدد من مرافقيه، بينهم نجله. ووقع الانفجار في منطقة المدينة الخضراء، التابعة إداريًا لمحافظة لحج، والقريبة من العاصمة المؤقتة عدن.
وشكل اغتيال جواس آنذاك صدمة كبيرة في الأوساط العسكرية والسياسية، باعتباره أحد أبرز القادة العسكريين الذين خاضوا مواجهات طويلة ضد جماعة الحوثيين.
ويرى مراقبون أن العملية كشفت عن قصور في الإجراءات الأمنية المخصصة لحمايته، رغم أنه كان من أكثر القيادات العسكرية استهدافًا من قبل الجماعة.
وبعد مرور أكثر من أربع سنوات، لا تزال القضية يكتنفها كثير من الغموض، في ظل عدم استكمال مسار العدالة بصورة نهائية.
ويعد جواس من أبرز القيادات العسكرية التي واجهت الحوثيين منذ اندلاع تمردهم في محافظة صعدة بقيادة حسين الحوثي، حيث تولى قيادة اللواء 15 مشاة، وشارك في عدد من العمليات العسكرية التي استهدفت إنهاء التمرد في مراحله الأولى.
كما واصل دوره العسكري بعد انقلاب جماعة الحوثيين وسيطرتها على مؤسسات الدولة وعدد من المحافظات، وشارك أيضاً خلال حرب عام 2015 في قيادة معارك للدفاع عن مناطق في لحج وعدن، إلى جانب قوات عسكرية ومقاتلين من المقاومة الشعبية، لمنع تقدم الحوثيين نحو الحبلين ويافع والملح.
جواس.. هدف دائم للحوثيين
يرى مراقبون أن اللواء ثابت جواس ظل لسنوات على رأس قائمة الشخصيات العسكرية المستهدفة من قبل جماعة الحوثيين، نظرًا لدوره البارز في المواجهات ضدها منذ بدايات تمردها. وتشير تقديرات إلى أن الجماعة حاولت استهدافه أكثر من مرة، إلا أن ابتعاده عن المدن لفترات وإقامته في منطقة حبيل جبر بردفان حدّا من فرص الوصول إليه.
ومع تعيينه قائدًا لمحور العند وقائدًا للواء 131 مشاة، عاد جواس إلى واجهة العمل العسكري، إلا أن الإجراءات الأمنية المرافقة له، بحسب مراقبين، لم تكن بالمستوى الذي يتناسب مع حجم التهديدات التي كانت تحيط به.
كما يرى آخرون أن مرحلة ما بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على عدد من المؤسسات الأمنية والعسكرية في عدن والمحافظات الجنوبية لم تشهد توفير مستوى الحماية الذي يستحقه جواس، مقارنة بقيادات أخرى كانت تحظى بحراسات أمنية مكثفة.
وعند اغتياله، كان موكبه يتكون من سيارتين فقط، وكان برفقته عدد من أقاربه، بينهم نجله وصهره، قبل أن تنفجر عبوة ناسفة استهدفت الموكب، ما أدى إلى مقتله وعدد من مرافقيه. ورغم الصدمة التي أحدثتها الجريمة، فإن القضية، بحسب مراقبين، لم تشهد كشفًا كاملًا لجميع ملابساتها أو الجهات التي تقف خلفها.
تعطيل القضاء والأحكام
رغم مرور أكثر من أربع سنوات على الجريمة، لا تزال القضية دون حسم نهائي، على الرغم من صدور حكم من المحكمة الجزائية المتخصصة الابتدائية في عدن، برئاسة القاضي يحيى محمد السعيدي، في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وشارك في جلسات المحاكمة وقتها عضو النيابة فيصل عبدالحافظ، وأمين سر الجلسة عفاف علي محسن، حيث أصدرت المحكمة في القضية رقم (51) لسنة 2022 أحكامًا بحق خمسة متهمين بالاشتراك في خلية اتُّهمت بتنفيذ عملية اغتيال اللواء الركن ثابت مثنى جواس ومرافقيه.
وقضى الحكم بإدانة جميع المتهمين الواردة أسماؤهم في قرار الاتهام، ومعاقبة كل من محمد علي محسن عبدالله العزاني، ورنيه سعيد سلام، ومحمد أحمد يحيى الميسري، وأمجد خالد فرحان بالإعدام، فيما حكم على عبدالكريم علي محسن عبدربه العزاني بالسجن لمدة عشر سنوات.
ورغم مرور نحو عامين على صدور الحكم، لم تُستكمل إجراءات تنفيذه حتى الآن، وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب استمرار تأخير تنفيذ أحكام الإعدام بحق المدانين.
ويشير مختصون إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام في اليمن لا يتم إلا بعد استكمال الإجراءات القانونية والمصادقة الرئاسية، في حين لم يتضح حتى الآن ما إذا كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي قد صادق على الحكم أو ما تزال الإجراءات قيد الاستكمال.
ويؤكد عدد من المختصين في القانون أن تأخير الفصل النهائي في قضية بهذا الحجم يمثل إخلالًا بمبدأ العدالة الناجزة، خصوصًا أن اغتيال قائد عسكري بهذا المستوى يُعد من القضايا المرتبطة بالأمن الوطني، ويستوجب استكمال التحقيقات وكشف جميع المتورطين في التخطيط والتنفيذ.
ويرجح عدد من المختصين أن يكون من بين أسباب تأخر تنفيذ الحكم ارتباط الملف بمفاوضات تبادل الأسرى، بعد أن سعت جماعة الحوثيين، بحسب مصادر، إلى إدراج المحكوم عليهم ضمن قوائم الأشخاص الذين طالبت بالإفراج عنهم.
ويرى هؤلاء أن استمرار تأجيل التنفيذ طوال هذه المدة يثير تساؤلات حول وجود عوامل سياسية ،أو تفاوضية أسهمت في تعطيل تنفيذ الأحكام.
كما يرى مراقبون أن بقاء المدانين داخل السجن رغم صدور أحكام قضائية نهائية بحقهم ،يضع علامات استفهام حول أسباب تأخر تنفيذ الأحكام، ويزيد من حالة الجدل المحيطة بالقضية.
ويؤكد عدد من السياسيين أن قضية اغتيال اللواء ثابت جواس لم تحظَ بالاهتمام الكافي خلال السنوات الماضية، مطالبين بتسريع استكمال الإجراءات القضائية، وتنفيذ الأحكام، وكشف جميع المتورطين في الجريمة، بما يحقق العدالة ويغلق أحد أبرز ملفات الاغتيالات التي شهدتها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
قتلة جواس ضمن قوائم تبادل الأسرى
تشير مصادر إلى أن جماعة الحوثيين أدرجت عدداٍ من المدانين في قضية اغتيال اللواء ثابت جواس ضمن القوائم التي طالبت بالإفراج عنها خلال مفاوضات تبادل الأسرى، في حين لم تصدر الحكومة اليمنية توضيحًا رسميًا بشأن تلك الأسماء أو موقفها منها.
ومع تداول معلومات عن احتمال إدراجهم ضمن أي اتفاق مستقبلي، تصاعدت الأصوات الرافضة لذلك، باعتبار أن المحكوم عليهم أُدينوا في قضية اغتيال قائد عسكري، وأن إدراجهم ضمن صفقات تبادل الأسرى يثير إشكالات قانونية وقضائية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن معظم الأسماء التي طالبت جماعة الحوثيين بالإفراج عنها في هذا الملف متهمة بالمشاركة في جرائم اغتيال أو قتل، وهو ما يرى مختصون أنه يختلف عن مفهوم أسرى الحرب. ويعتقد مراقبون أن الجماعة تحاول استثمار ملف الأسرى للإفراج عن عناصرها المتورطة في عمليات أمنية داخل مناطق سيطرة الحكومة، مقابل مدنيين أو ناشطين أو موظفين في منظمات دولية ومحلية، الأمر الذي يثير مخاوف من تأثير الاعتبارات السياسية على تنفيذ الأحكام القضائية.





