الإثنين، 1 يونيو 2026 | الموافق ١٤ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

حين يصبح الفساد أقوى من القانون.

الكاتب الحميدي ينتقد آلية القرارات العسكرية ويرى فيها تهديداً لكيان الدولة.

قبل أن نتناول واقع اليمن وما وصلت إليه الأوضاع من فساد وفقر وانهيار، لا بد من التوقف أمام حقيقة لا ينبغي تجاهلها:

إن الأوطان لا تُقاس بكثرة الشعارات، ولا تُبنى بحملات التمجيد والتلميع، ولا تُحفظ بالألقاب والمناصب ،فالقادة والمسؤولون والتجارب السياسية لا يحكم عليها الناس بما يُقال عنها، بل بما قدمته على أرض الواقع، وبما تركته من أثر في حياة المواطنين.

ومن حق الشعب أن يسأل كل من تعاقب على مواقع القرار أو تصدر المشهد العام: بماذا قدم للوطن؟ وماذا حقق للناس؟
وهل خفف من معاناتهم أم تركهم يواجهون مصيرهم وحدهم؟

فالتاريخ لا يمنح أحداً حصانة دائمة، ولا يكتب الأمجاد بالرغبات والدعاية، بل يسجل الوقائع كما حدثت، ويترك للأجيال أن تحكم على الرجال من خلال أعمالهم ومواقفهم لا من خلال الأوصاف التي يطلقها عليهم أنصارهم وخصومهم.

ومرت أعوام طويلة أُثقلت بالوعود، وتبدلت الوجوه والمناصب والخطابات، لكن القضايا الكبرى ما زالت معلقة، وصنعاء ما زالت خارج سلطة الدولة، ومعاناة المواطن تتسع يوماً بعد آخر.

وحين تتراكم السنوات دون إنجازات بحجم التضحيات التي قدمها اليمنيون، يصبح من حق الناس أن تسأل، ومن واجب المسؤولين أن يجيبوا ،فالشعوب لا تعيش على الوعود إلى الأبد، ولا تُقاس نجاحات الحكومات بما تقوله، بل بما تحققه على أرض الواقع.

وحين ننظر إلى واقع الناس اليوم، فإن الإجابة تظهر بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية التي يعيشها المواطن البسيط ،حين يصبح الفساد أقوى من القانون، والنافذ أقوى من الدولة، والمظلوم عاجزاً عن الوصول إلى حقه، فإن الخطر لا يهدد فرداً أو منطقة بعينها، بل يهدد الوطن كله.

ما يعيشه الناس اليوم من فقر وقهر وابتزاز ونهب للحقوق والممتلكات لم يعد مجرد أخطاء عابرة، بل أصبح واقعاً يومياً يدفع ثمنه المواطن البسيط الذي لا يملك حماية ولا واسطة ولا نفوذاً.

ولا يقف الأمر عند حدود المعاناة المعيشية، بل يتجاوزها إلى مشاهد صادمة تكشف حجم الانهيار الذي وصلت إليه البلاد.
فحين يعجز المواطن عن تأمين لقمة العيش، ويصبح الموت جوعاً في الشوارع خبراً يتردد بين الناس، فإن ذلك ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل جرس إنذار خطير يكشف فشل السياسات العامة وغياب المسؤولية وتآكل الدور الحقيقي للدولة في حماية مواطنيها وصون حقهم في الحياة الكريمة.

لا يمكن بناء دولة بينما تُهدر حقوق الناس، ولا يمكن الحديث عن استقرار فيما السجون تمتلئ بالمظلومين، والفساد يلتهم الموارد، والعدالة تغيب، والضعفاء يُتركون لمواجهة مصيرهم وحدهم.

الشعوب لا تنهار بسبب قلة الإمكانيات، بل عندما تفقد الثقة بأن هناك قانوناً يحميها، وقضاءً ينصفها، وسلطةً تشعر بمعاناتها.

إن واجب كل مسؤول أن يدرك أن المنصب ليس امتيازاً للسيطرة على الناس، بل أمانة لحماية حقوقهم وصون كرامتهم.

وأن التاريخ لا يتذكر حجم السلطة التي امتلكها المسؤول، بل يتذكر ماذا فعل بها: هل أنصف المظلوم أم حمى الظالم؟
هل حارب الفساد أم شارك فيه أو سكت عنه؟

المواطن اليوم لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن الرفاهية، بل يريد دولة تحميه من الظلم، وقانوناً يطبق على الجميع، وكرامة لا تُهان، وحقاً لا يُنهب.

ومن هنا فإن معالجة الأزمة لا تكون بتبادل الاتهامات أو تدوير الفشل، وإنما بالعودة إلى مصدر الشرعية الحقيقي؛ الدستور وإرادة الشعب.

فلا دولة بلا قانون، ولا شرعية دائمة بلا تفويض شعبي، ولا استقرار حقيقياً دون مؤسسات تستمد سلطتها من نص دستوري واضح ،أو انتخابات حرة يختار فيها اليمنيون من يحكمهم.

إن إنقاذ اليمن يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتصحيح مسار السلطة وفق الأطر الدستورية والقانونية، وتمكين الشعب من حقه في اختيار قيادته ومحاسبتها.
فالحلول المؤقتة قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تبني وطناً ولا تحقق عدالة.

وما دام الظلم يتسع والفساد يزداد، فإن الصمت لم يعد حلاً، لأن السكوت على الظلم لا يصنع استقراراً بل يؤجل الانفجار.
أما الإصلاح الحقيقي فيبدأ حين تكون السيادة للقانون، والسلطة للشعب، والمصلحة العامة فوق مصالح الأفراد والجماعات.

فالأوطان لا تُنقذها المجاملات، ولا يحفظها الصمت على الأخطاء، ولا يبني مستقبلها إلا الصدق مع الناس، واحترام إرادتهم، وإقامة دولة يكون فيها الجميع متساوين أمام القانون، لا فرق بين نافذ وضعيف، ولا بين مسؤول ومواطن إلا بقدر ما يقدمه للوطن من خدمة وإخلاص.

وحين يصبح الفساد أقوى من القانون، يصبح التغيير واجباً وطنياً، لا شعاراً سياسياً.