الإثنين، 1 يونيو 2026 | الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

رأس العارة... حين تتحول فضائح التهريب إلى ترقيات

الكاتب الحميدي ينتقد آلية القرارات العسكرية ويرى فيها تهديداً لكيان الدولة.

ما يجري في منفذ رأس العارة لم يعد مجرد تجاوزات متفرقة أو أخطاء إدارية عابرة، بل تحول إلى ظاهرة متكررة ومشهد مفتوح أمام الجميع، يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الإجابات.

فالموضوع لم يعد حديث مجالس أو اتهامات متبادلة، بل أصبح مدعومًا بوثائق ومقاطع مصورة ووقائع متكررة تتحدث عن نفسها، وتفرض على كل صاحب مسؤولية أن يجيب أمام الرأي العام.

والمقطع المرفق ليس الأول من نوعه، فقد سبق أن نشرنا عدة مقاطع ووثائق توثق وتكشف جانبًا خطيرًا مما يجري في رأس العارة، حيث تظهر بوضوح عمليات تفريغ مباشرة من سفن متوسطة إلى ناقلات ومركبات وقاطرات بصورة منظمة ومتواصلة، وفي وضح النهار، وأمام أعين جهات يفترض أنها مسؤولة عن الرقابة والحماية ومنع أي مخالفات للقانون.

تُظهر المشاهد قيام عمليات تفريغ ونقل لطرود مغلّفة بكميات كبيرة تُنقل مباشرة من السفن إلى شاحنة (دينا)، في ظروف تثير الشبهات حول طبيعة محتواها، حيث يُشتبه بأنها مواد ممنوعة أو خطيرة. كما تتضمن الشحنات كميات كبيرة من أكياس السماد الزراعي ذات الاستخدامات المزدوجة، إلى جانب مواد أخرى يُشتبه بحظرها، يتم تفريغها إلى القاطرات دون أي إجراءات تفتيش أو رقابة جمركية تتناسب مع حجم هذه الشحنات وطبيعتها، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول آليات الرقابة والمسؤولية الميدانية في الموقع، في ظل غياب واضح للضبط الجمركي والإجراءات الرسمية المعتادة

ولم يعد الأمر يقتصر على تكرار هذه المشاهد فحسب، بل إن المثير للدهشة والاستغراب أن كل عملية توثيق أو كشف لوقائع التهريب والعبث بالمنافذ لا يتبعها تحقيق أو محاسبة أو إجراءات رادعة، بل يلاحظ الناس في كثير من الأحيان صعودًا لنفس الأسماء واستمرارًا لنفس الجهات في مواقع النفوذ.

حتى بات الانطباع السائد لدى كثير من المواطنين أن كشف التهريب لا يقود إلى المساءلة، بل إلى مزيد من الحماية والنفوذ، وكأن مكافحة الفساد أصبحت تهمة، بينما أصبح المتورطون في العبث بالمنافذ بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.

ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا تتكرر هذه الوقائع؟ ومن المستفيد من استمرارها؟ ومن الذي يعرقل فتح تحقيقات شفافة تكشف للرأي العام حقيقة ما يجري في هذا المنفذ؟

ما طبيعة هذه الطرود؟
وما محتوى هذه الشحنات؟
وهل خضعت للفحص والتفتيش والإجراءات القانونية المعمول بها؟
ومن الجهة التي أشرفت على دخولها وخروجها؟

ولماذا تستمر هذه المشاهد بالتكرار دون أن يصاحبها أي توضيح رسمي مقنع يبدد الشكوك ويجيب عن تساؤلات الرأي العام؟

إن المواطنين يشاهدون هذه العمليات تتكرر بصورة مستمرة، ويشاهدون معها صمتًا رسميًا لا يتناسب مع حجم الجدل والخطورة التي تحيط بهذا الملف.

والمفارقة التي بات يلاحظها كثير من المواطنين، أنه كلما تم نشر مقاطع ووثائق تكشف جانباً مما يجري في هذا المنفذ، تظهر فجأة إعلانات عن ضبطيات أو عمليات نوعية واكتشاف شحنات ممنوعة، دون أن يعرف الرأي العام مصير تلك القضايا، أو ما إذا كانت قد أُحيلت فعلًا إلى الجهات المختصة واستكملت إجراءاتها القانونية والقضائية.

وهو ما يدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الإعلانات تمثل معالجة حقيقية للمشكلة أم مجرد محاولة لصرف الأنظار عن الوقائع التي يتم كشفها وتوثيقها، فـعين الشمس لا تُغطى بمنخل.

لكن المفارقة الصادمة ليست فيما يحدث داخل المنفذ فقط، بل فيما يحدث بعد كل عملية كشف أو توثيق.

فكلما ظهرت فضيحة جديدة، وكلما تم كشف مسارات جديدة للتهريب أو العبث بالمنافذ، لا نرى محاسبة ولا إيقافًا ولا تحقيقات شفافة، بل نرى مشهدًا مختلفًا تمامًا:

ترقيات... وحماية... وإعادة تدوير لنفس الأسماء.

وكأن الرسالة الموجهة للناس تقول، إن كشف الفساد لم يعد سبباًللمساءلة، بل أصبح طريقًا للنفوذ والترقية.

لقد أصبح واضحًا للرأي العام أن هناك من يملك القدرة على تعطيل المساءلة، وهناك من يملك القدرة على إبقاء هذا الملف بعيدًا عن أي تحقيق حقيقي، مهما كثرت الوقائع والوثائق والشهادات.

وأصبح من حق الناس أن تتساءل:

من المستفيد من استمرار هذا الوضع؟

ومن الذي يملك قرار السماح بمرور هذه الشحنات؟
ومن الذي يمنع فتح تحقيقات مستقلة وشفافة؟
ومن الذي يحول دون محاسبة أي جهة يثبت تورطها مهما كانت مكانتها أو نفوذها؟

إن أخطر ما في القضية ليس مجرد الشحنات التي تظهر في المقاطع، بل وجود انطباع متزايد لدى الناس بأن النفوذ أصبح أقوى من القانون، وأن بعض الملفات أصبحت محصنة ضد الرقابة والمساءلة.

وفي هذا السياق، فإننا نوجّه هذا النداء إلى الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الفساد، لمتابعة ما يجري في هذه المنافذ، ودعم أي خطوات تهدف إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، تكشف الحقائق أمام الرأي العام دون تغطية أو انتقائية أو حماية لأي طرف.

ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس بيانات إنكار، ولا تبريرات جاهزة، ولا وعودًا تتكرر في كل مرة، بل كشف كامل للحقيقة أمام الرأي العام، وفتح تحقيق مستقل وشفاف، ونشر نتائجه دون تأخير.

فالأوطان لا تنهار بسبب المهربين وحدهم، بل عندما يصبح التهريب محميًا، وعندما تتحول المساءلة إلى استثناء، وعندما يرى المواطن أن كل فضيحة يتم كشفها تنتهي بترقية المتهمين بدلًا من محاسبتهم.

وسيظل هذا السؤال قائمًا حتى تظهر الحقيقة كاملة:

من يحمي هذا العبث؟
ومن المستفيد من بقاء رأس العارة خارج المساءلة؟

لأن استمرار الصمت لم يعد حيادًا، واستمرار التجاهل لم يعد عجزًا، بل أصبح في نظر كثير من المواطنين جزءًا من المشكلة نفسها.