عبد الرب الفتاحي + اليمني الجديد
تبدو الاحتجاجات التي لجأ إليها آلاف من سكان العاصمة المؤقتة عدن بالنوم في الشوارع، وفرش بطانياتهم وأغطيتهم بشكل جماعي، واحدة من أكثر أشكال الاحتجاج تأثيراً في تعرية السياسات التي تمارسها السلطة، والتي تجاهلت احتياجات المواطنين والظروف المأساوية التي وصلوا إليها. فبعد أسابيع طويلة عاشها السكان تحت وطأة درجات حرارة مرتفعة وانقطاع متواصل للتيار الكهربائي.
بدا الأمر بالنسبة للكثيرين وكأنه شكل من أشكال التعذيب البطيء، حيث حوصر المواطنون بين شوارع ملتهبة ومنازل تحولت إلى أماكن لا تطاق بسبب الحر الشديد وانعدام الكهرباء.
في بداية الصيف الحالي كان كثير من المواطنين يشعرون بأن هذا العام قد يكون مختلفاً عن الأعوام السابقة. فعلى مدى سنوات عانت عدن من أزمات كهرباء متكررة، ومن عراقيل اعترضت وصول الوقود إلى محطات التوليد، الأمر الذي تسبب في زيادة ساعات الانقطاع وصعوبة إعادة الخدمة بشكل منتظم.
ومع كل صيف كانت الأزمة تتكرر بالمبررات ذاتها، إلا أن المواطنين كانوا يأملون أن تؤدي المتغيرات السياسية والعسكرية الأخيرة، إلى تحسين مستوى الخدمات وإنهاء حالة التدهور المستمرة.
خلال الأعوام الماضية ظلت إحدى أبرز المبررات التي تُطرح لتفسير تراجع الخدمات تتمثل في وجود خلافات سياسية وصراع نفوذ بين الحكومة والمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث جرى تقديم تلك الخلافات باعتبارها سبباً رئيسياً في تعطيل المؤسسات وإعاقة تقديم الخدمات.
ومع كل أزمة اقتصادية أو ارتفاع للأسعار أو نقص في الغاز المنزلي أو تراجع في الأمن، كانت الانقسامات السياسية تُطرح باعتبارها السبب الرئيسي، حتى أصبح كثير من المواطنين يشعرون بأن الخدمات تحولت إلى أداة للصراع السياسي ومعاقبة السكان، ومحاولة التأثير على مواقفهم وتوجيه قناعاتهم لصالح هذا الطرف أو ذاك.
ومع اندلاع الحرب التي شهدها العام الجاري، والتي حاول خلالها المجلس الانتقالي توسيع نفوذه العسكري وتعزيز سيطرته على مناطق جنوبية جديدة، شعر كثير من اليمنيين بأن البلاد دخلت مرحلة أكثر خطورة من الصراع. فقد بدا أن المواجهة الجديدة لا تهدد فقط التوازنات السياسية والعسكرية، بل تهدد أيضاً ما تبقى من مؤسسات الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات الأساسية.
ومع اتساع رقعة المواجهات، ساد شعور بأن الأزمة تجاوزت حدود الخلافات التقليدية، لتتحول إلى صراع أوسع قد يؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة بصورة أكبر مما يعزز مشاريع الانقسام والاستقطاب.
في خضم تلك التطورات، تحركت السعودية بقوة ،وتدخلت عسكرياً عبر عمليات اعتمدت على الطيران وألوية عسكرية يمنية تتلقى الدعم والتدريب على أراضيها، بهدف حسم المعركة وإنهاء الوجود العسكري للمجلس الانتقالي.
وقد بدا التدخل السعودي في ذلك الوقت بالنسبة لكثير من اليمنيين، خطوة تهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري، وفرض واقع جديد يمكن أن يسهم في استعادة الاستقرار وتحسين الأداء الحكومي.
في المرحلة الأولى أظهرت السعودية استعداداً لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي كانت تمثله الإمارات في بعض الملفات، وهو ما دفع كثيراً من اليمنيين إلى الاعتقاد بأن الدور السعودي هذه المرة سيكون مختلفاً، وأنه لن يقتصر على التصريحات أو التحركات المؤقتة.
كما ركز الخطاب السعودي على وعود تتعلق بالتنمية وتحسين الخدمات وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وفي ذلك الوقت قام فلاح الشهراني، ممثل السعودية في اليمن، بزيارات لعدد من المؤسسات الخدمية وقطاعات الكهرباء، في خطوات أعطت انطباعاً بأن هناك توجهاً جديداً لمعالجة الأزمات المتراكمة.
غير أن المشهد تغير بصورة كبيرة خلال الأشهر الستة اللاحقة. فقد تراجعت الحركة السعودية واختفت الوعود التي تم الحديث عنها، بينما وجدت سلطة مجلس القيادة الرئاسي نفسها الطرف الوحيد المسيطر على المشهد بعد إزاحة منافسها السياسي والعسكري الأبرز. و
في ظل هذا الواقع جرت تغييرات داخل السلطة التنفيذية، حيث تعرض رئيس الوزراء السابق سالم بن بريك لضغوط أدت إلى مغادرته منصبه في 15 يناير 2026 ، قبل أن يختار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي شخصية مقربة منه لتولي رئاسة الحكومة، تحت عنوان تشكيل حكومة كفاءات قادرة على معالجة الأزمات المتراكمة.
انتظر اليمنيون في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً ما يقارب الشهرين لمشاهدة ملامح الحكومة الجديدة. وكانت التوقعات تشير إلى احتمال ظهور نموذج مختلف في إدارة الدولة بعد انتهاء الصراع مع المجلس الانتقالي.
إلا أن الحكومة التي أُعلن عنها برئاسة شائع محسن الزنداني جاءت، بحسب توصيف كثير من المراقبين، امتداداً لنهج المحاصصة السياسية والتوافقات الحزبية التي طبعت الحكومات السابقة، وهو ما أضعف الثقة بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي أو تقديم حلول للأزمات القائمة.
ومنذ الإعلان عن الحكومة لم يلمس المواطنون أي تحسن ملموس على مستوى الخدمات، أو الكهرباء أو الأوضاع الاقتصادية. كما لم تنخفض الأسعار أو تتراجع الضغوط المعيشية.
ويرى كثير من السياسيين أن الرئيس رشاد العليمي أبقى الأوضاع ضمن مسارها السابق رغم الاجتماعات المتكررة والوعود المستمرة بالاهتمام بالخدمات وصرف المرتبات وتعزيز أداء مؤسسات الدولة ، وبالنسبة للمواطنين، فإن معظم الأولويات التي جرى الحديث عنها لم تتحقق، بل إن الأوضاع في بعض الجوانب ازدادت سوءاً مقارنة بما كانت عليه في السابق.
ومع مرور الوقت ارتفعت أسعار أسطوانات الغاز واستمرت نقاط الجباية والاختلالات الإدارية وضعف أداء المؤسسات، فيما تفاقمت أزمة الكهرباء بصورة أكبر ،ومع دخول فصل الصيف في مايو من الشهر الماضي ، وجد سكان عدن ولحج وأبين أنفسهم أمام واحد من أشد فصول الصيف حرارة خلال السنوات الأخيرة، في وقت تلاشت فيه الوعود التي سبق الحديث عنها، واختفى الحضور السياسي والإعلامي الذي كان يرافق التصريحات المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي وتحسين الخدمات.
لم يشعر سكان عدن بأي تحول حقيقي في واقع مدينتهم، ورغم ذلك ظل هناك خيط من الأمل بأن تتحرك السلطة لإعطاء الأولوية للكهرباء والخدمات وصرف المرتبات وتحسين الأوضاع المعيشية. غير أن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة استمرا، من وجهة نظر المحتجين، في تجاهل مطالب المواطنين ومعاناتهم اليومية.
ومع ارتفاع درجات الحرارة واتساع ساعات انقطاع الكهرباء وتدهور الأوضاع الاقتصادية والنفسية، قرر آلاف المواطنين نقل احتجاجهم إلى الشوارع عبر النوم الجماعي في العراء في رسالة سياسية واضحة مفادها أن صبر السكان قد بلغ نهايته، وأن استمرار تجاهل مطالبهم قد يدفع نحو موجة احتجاجات أوسع قد يرتفع سقفها مستقبلاً لتشمل المطالبة بإجراء تغييرات سياسية أعمق، تصل إلى المطالبة بحل مجلس القيادة الرئاسي ورحيل الحكومة.




