مع كل حديث عن الحوار الجنوبي – الجنوبي، يتكرر المشهد ذاته؛ قاعات تعج بالرجال، بينما يغيب الحضور النسائي أو يُختزل في مشاركة رمزية لا تعكس مكانة المرأة ودورها الحقيقي. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لحوار يطمح إلى رسم مستقبل الجنوب أن يُقصي نصف المجتمع عن المشاركة في صناعة هذا المستقبل؟
إن كسر الصورة الذكورية للحوار لم يعد مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل ضرورة وطنية وسياسية. فالمرأة الجنوبية لم تكن يومًا على هامش الأحداث، بل كانت في مقدمة الصفوف خلال سنوات الحرب والأزمات؛ الأم التي حافظت على تماسك الأسرة رغم قسوة الظروف، والمربية التي صنعت الأمل، والطبيبة التي واصلت رسالتها، والمعلمة التي حملت مسؤولية بناء الأجيال، والإعلامية التي نقلت الحقيقة، والناشطة التي وثّقت الانتهاكات ودافعت عن الضحايا، وأسهمت في رأب الصدع المجتمعي وتعزيز قيم التعايش والسلام.
ولم تكن هذه الأدوار هامشية، بل شكلت ركيزة أساسية لصمود المجتمع الجنوبي. ومن غير المنطقي أن تتحمل المرأة أعباء الحرب، ثم تُستبعد من صناعة السلام.
وعندما نتحدث عن مشاركة المرأة، فإننا نعني جميع النساء بمختلف انتماءاتهن؛ المستقلات، والحزبيات، وناشطات منظمات المجتمع المدني، باعتبارهن شريكات في المسؤولية وصناعة القرار، لا مجرد أرقام تُستدعى لاستكمال المشهد. كما أن قرار مجلس الأمن 1325 رسّخ مشاركة المرأة في عمليات السلام وصنع القرار باعتبارها أحد معايير نجاح أي عملية سياسية.
إن المطلوب اليوم هو تمثيل حقيقي يبدأ من اللجان التحضيرية ويمتد إلى جميع مراحل الحوار، وفق معايير الكفاءة، مع ضمان حضور فاعل للمرأة وإدراج قضايا الأسرة والتعليم والصحة والتمكين ضمن أولويات الحوار، لأنها قضايا ترتبط بمستقبل الجنوب واستقراره.
إن الجنوب الذي نسعى إليه لا يمكن أن يُبنى بعقل واحد أو صوت واحد. فالشراكة الحقيقية تبدأ من طاولة الحوار، والاعتراف بأن المرأة ليست ضيفة على المشروع الوطني، بل شريك أصيل في صناعته. وإذا كان الحوار الجنوبي – الجنوبي يهدف إلى بناء مستقبل يتسع للجميع، فإن أول اختبار لنجاحه هو أن تتسع طاولته للجميع دون إقصاء.
فمشاركة المرأة ليست منحة تُمنح، ولا استجابة لضغوط، بل استحقاق وطني يعزز نجاح الحوار ويمنحه شرعية أوسع. فالجنوب الذي نحلم به لن يُبنى إلا بسواعد جميع أبنائه وبناته، وبشراكة حقيقية تجعل المرأة حاضرة في صناعة القرار كما كانت حاضرة في تحمل المسؤولية والتضحية.





