كلما اقتربت ذكرى سقوط صنعاء، يعود الجدل إلى النقطة نفسها: هل كان علي عبدالله صالح هو المسؤول الوحيد عما حدث؟ هذا السؤال، بعد كل هذه السنوات، لم يعد هو السؤال الصحيح!.
صالح أصبح جزءا من التاريخ، والتاريخ سيحاكمه بما له وما عليه. أما تحويله إلى التفسير الوحيد لانهيار الدولة، فهو لا يفسر كيف بقيت صنعاء خارج سلطة الدولة حتى اليوم، ولا يفسر لماذا أخفقت القوى التي تسلمت قيادة المعركة بعده في تغيير موازين القوى، ولا لماذا عجزت حتى عن بناء نموذج دولة في العاصمة المؤقتة عدن..
إذا كان صالح هو كل المشكلة، فما تفسير استمرار المشكلة بعد رحيله بتسع سنوات؟ هذا هو السؤال الذي يهرب منه كثيرون..
سقوط صنعاء لم يكن نتيجة قرار فرد واحد، بل كان حصيلة انهيار سياسي وعسكري وأمني ومؤسسي، شاركت فيه منظومة كاملة، وأخفقت فيه قيادات كانت تمتلك القرار والسلاح والنفوذ.
الهزائم الكبرى لا يصنعها شخص واحد، بل تصنعها شبكات من الفشل، وسوء التقدير، والصراعات، والعجز عن اتخاذ القرار في اللحظة الحاسمة..
ولهذا فإن اختزال المأساة في شخص واحد ليس قراءة للتاريخ، بل هروب من المسؤولية..الأخطر أن هذا الهروب ما يزال مستمرا حتى اليوم!.
فبدلا من مراجعة أسباب الانهيار، ومحاسبة المسؤولين عن القرارات العسكرية والأمنية التي سبقت سقوط صنعاء وأعقبته، يجري إنتاج رواية مريحة للجميع: شخص واحد رحل، وكأن برحيله انتهت المسؤولية..لكن الوقائع تقول غير ذلك..
لقد مضت سنوات طويلة، ولم تستعد هذه القيادات صنعاء، بل إن عدن نفسها، التي أصبحت مركز القرار السياسي، لم تتحول إلى نموذج للدولة التي وعد بها اليمنيون. لم تبن مؤسسات قوية، ولم تفرض سيادة القانون، ولم يتحقق نموذج إداري أو اقتصادي يقنع الناس بأن مشروع الدولة ما يزال حيا..
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: إذا كانت الظروف تمنع استعادة صنعاء، فما الذي منع بناء دولة في عدن؟
ليس المطلوب معجزات، بل الحد الأدنى من الدولة.
لكن ما يراه المواطن هو سلطة تتحدث أكثر مما تنجز، وتختلف أكثر مما تتفق، وتبرر أكثر مما تحاسب نفسها..
إن استمرار تعليق كل الإخفاقات على الماضي لم يعد تفسيرا، بل أصبح ذريعة دائمة للهروب من الحاضر..
لا يمكن هزيمة الحوثي بمجرد استدعاء أخطاء الأمس، ولا بإعادة تدوير الاتهامات نفسها كل عام. الحوثي لا يستفيد من قوة روايته فقط، بل يستفيد أيضا من ضعف خصومه، ومن عجزهم عن تقديم نموذج مختلف في المناطق التي تقع تحت سلطتهم..
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع جماعة انقلابية، بل مع ثقافة سياسية اعتادت الإفلات من المحاسبة، واعتادت تحميل الآخرين مسؤولية كل فشل، بينما لا تعترف بأي مسؤولية عن حاضر صنعته بيديها..
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب هو أن يتصالح مع الهزيمة، وأن يحولها إلى قدر، أو إلى قصة يرويها كل عام دون أن يتعلم منها شيئا..
ولهذا فإن مسؤولية الجيل الجديد ليست أن يرث الخصومات القديمة، ولا أن يبقى أسيرا للجدل حول الماضي، بل أن يطرح الأسئلة التي تهرب منها النخب:
من أخطأ؟ ولماذا أخطأ؟ وكيف نمنع تكرار الخطأ؟ وكيف نبني دولة لا تتوقف على شخص، ولا تنهار برحيل شخص؟.
فالأمم لا تبنى بالحنين، ولا بالثأر السياسي، ولا بتقديس الأشخاص أو شيطنتهم، وإنما تبنى بالمراجعة الصادقة، والمساءلة، والكفاءة، وبإرادة تتجاوز منطق تبرير الفشل..
لقد آن الأوان أن نغادر معركة البحث عن شماعة نعلق عليها الهزيمة، وأن ننتقل إلى معركة صناعة المستقبل..
فمن يعجز عن إدارة النصر بعد كل هذه السنوات، لا يملك حق احتكار الحديث باسم الوطن..
واليمن لن ينهض بمن يكررون خطاب الهزيمة، بل بمن يمتلكون شجاعة الاعتراف بها، واستخلاص دروسها، ثم صناعة نصر جديد لا يعيش على أنقاض الماضي، بل يؤسس لمستقبل مختلف..





