الخميس، 9 يوليو 2026 | الموافق ٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ
الأدب والفنون

هدار نحيميا صوت يربط التراث اليمني اليهودي بالموسيقى العالمية

هدار نحيميا صوت يربط التراث اليمني اليهودي بالموسيقى العالمية

حميد عقبي + خاص

المستمع إلى صوت هدار نحيميا سيدرك أنه مع واحدة من الأصوات النسائية الشابة التي تستحق التوقف عندها، وهي لم تسعى من أجل أن تنتمي إلى دائرة النجومية التجارية الواسعة،ويست حاضرة كثيرًا بكثافة في الإعلام، ربما لأنها تعمل في منطقة فنية أكثر هدوءًا وعمقًا: منطقة يمكن أن نسميها : البحث عن الجذور، واستعادة الذاكرة، وبناء جسور بين التراث اليمني اليهودي والموسيقى العالمية المعاصرة

.
تركز جهودها ونشاطها بحضورها البديع والهام في فرقة يَمّة ومشروع «تَيْمان»، ومن خلال بعض أعمالها الفردية وتعاوناتها المستقلة، إذن تبدو هدار نموذجًا لفنانة لا تتعامل مع التراث بكونه مادة قديمة متحفية تُستعاد فقط عند الحاجة للظهور الإعلامي، ولكن بكونه طاقة حيّة قابلة للحوار والتجدد والسفر عالميًا دون أن يخشى عدم الفهم.

فرقة يَمّة ومشروع «تَيْمان»

تتصل تجربة هدار نحيميا أولًا بفرقة يَمّة، وهي فرقة موسيقية عبرية ذات حضور دولي، تعمل بجد ونشاط على تقديم موسيقى تقليدية وروحية من نوافذ عبرية وشرقية ومتوسطية متنوعة.

غير أن المشروع الذي سوف نركز عليه ومرتبط بأبحاثنا هو مشروع «تَيْمان»، وهو مشروع مخصص لإحياء أغاني النساء اليمنيات اليهوديات، خصوصًا تلك الأغاني التي عاشت طويلًا داخل البيوت وظلت منسية لعقود، أغاني الأعراس، ومناسبات الحناء، والطقوس العائلية والاجتماعية.

وتذكر صفحة مشروع «تَيْمان» أن هدار نحيميا تمتلك جذورًا يمنية قوية، وهذا ربما يجعل مشاركتها في هذا المشروع متميز وله بعدًا شخصيًا وثقافيًا وروحيًا، وليس مجرد أداء فني خارجي.

إن أهمية مشروع «تَيْمان» وهو يستحق أن نفهمه ونسلط الضوء ليه لأنه لا تأتي فقط من كونه يعيد إنتاج أداء أغانٍ يمنية قديمة، ولكن الأكثر أهمية في كونه يلتفت إلى مساحة ظلت مهمشة في كثير من مشاريع التوثيق: غناء النساء.

عادة ما يحظى الكثير من المنشدين والحاخامات والقراء والرجال الحاملون للديوان باهتمام أكبر من الباحثين والمؤسسات، ودائما ما تبقى أغاني النساء والبيوت محفوظة في الذاكرة الشفوية، تنتقل من أم إلى ابنة، ومن جدة إلى حفيدة، ومن بيت إلى بيت.

وقد أشارت مواد منشورة عن المشروع إلى أن هذا الغناء لم يكن محفوظًا أو موثقًا بصورة كافية حتى القرن العشرين، وأنه ظل محفوظًا داخل الدائرة العائلية ومجتمع النساء.

 نقل هذا التراث إلى المهرجانات العالمية

من هنا تبدو هدار نحيميا جزءًا من جهد فني أوسع لإنقاذ ذاكرة لا تزال هشة ومعرضة للإندثار والضياع. فهي لا تقدم الأغنية اليمنية بكونها زينة فلكلورية زخرفية، ولا تضعها في إطار استعراضي سريع لجني الاعجاب، ولكننا مع فنانة تشارك بفرح في نقل هذا التراث الجميل من فضاء البيت والذاكرة الخاصة إلى خشبة المسرح والجمهور المعاصر والمهرجانات العالمية.

هذه النقلة مهمة جدًا؛ لأن الأغنية عندما تغادر الذاكرة الفردية إلى الأداء الجماعي تصبح أكثر قدرة على البقاء والمقاومة ويُكتب لها حياة جديدة، لكنها في الوقت نفسه تواجه خطر التغيير والتبسيط والتسويق والتشويه. وهنا تظهر قيمة فرقة يَمّة، إذ تحاول أن تجعل الأداء معاصرًا دون أن تفرغ المادة التراثية من روحها الأصلية ودون تشويهات.

تبدو فرقة يَمّة ؛ إذن صوتًا وسيطًا بين عالمين: عالم النساء اليمنيات القديمات اللواتي حملن الغناء شفهيًا، وعالم الموسيقى العالمية الذي يتطلب لغة مسرحية وفنية قادرة على مخاطبة جمهور لا يعرف بالضرورة العربية اليمنية أو التاريخ اليهودي اليمني.

وإن حضور هدار لا يقوم فقط على جمال صوتها، لكنها تحمل خصوصية إبداعية وتحمل نبرة تراثية خاصة داخل بناء هذا العالم الموسيقي الحديث الساحر الذي تمكنت فرقة يَمّة من خلقه .

ويمكن أن ندرس ونلاحظ طريقة الأداء لكل عضوة؛ فكل واحدة تحمل اضافة وميزة فنية أو تقنية، وهذا ربما جوهر التجربة؛ لأن الأغنية اليمنية النسائية تحمل في نطقها، وإيقاعها، وتكراراتها، وفي كل نبرة نداء، أو وقفة، شيئًا من الحياة الاجتماعية التي خرجت منها وشيئًا من الروح التي تؤدي هذه الأغنية.

قداسة الأغنية الجماعية

في مشروع «تَيْمان» نجد هذا الحرص الشديد على العلاقة بين الأصل والتجديد. فهناك أغاني حب، وأغاني أعراس، وأغانٍ مرتبطة بالحياة اليومية، إلى جانب مواد ذات صلة بالروحانية والطقس.

كما يظهر في عروض يَمّة تَيْمان اهتمام واضح بفكرة الجماعة وقداسة الأغنية الجماعية، وبأسلوب النداء والجواب، وبالإيقاعات التي تمنح الأداء طابعًا قبليًا واحتفاليًا.

وقد عُرض المشروع في مهرجانات ومسارح أوروبية مثل برلين، وهذا يعني أن الأغنية اليمنية اليهودية لم تعد حبيسة الذاكرة العائلية أو الجالية المحدودة أو الأحياء المهمشة،لكنها صارت تتحرك على مسارح عالمية، وتقدم نفسها بكونها جزءًا من التراث الإنساني الأوسع.

وبما أننا نخصص هذه المادة عن هدار نحيميا فإننا سنلاحظ أنها صوت نشط داخل الفرقةوكذلك فإنها مغنية ومؤلفة موسيقية تعمل أيضًا على بناء مسار شخصي مستقل. يظهر ذلك بوضوح في مشروع ألبومها الأول، الذي لم يأت عبر شركة إنتاج ضخمة، وجاء عبر حملة جمع تبرعات وتمويل جماعي على منصة «هِدستارت».

وقد جاء في المواد الخاصة بهذا المشروع أن الألبوم كان ثمرة تعاون بين هدار نحيميا، المغنية والمبدعة، وهدار نويبرغ، عازفة الفلوت التي تولت الإنتاج الموسيقي للألبوم.

 مشهد موسيقي مقاوم بديل

هذه النقطة شديدة الأهمية لفهم أسلوب هدار وموقعها الفني. فالفنان الذي يلجأ إلى التمويل الجماعي غالبًا لا يتحرك داخل صناعة موسيقية تجارية ضخمة، ولكن يعتمد على جمهوره الصغير، وعلى شبكة من الأصدقاء والداعمين والمهتمين بالموسيقى المستقلة.

وهذا يكشف عن رغبتها في الحفاظ على حرية فنية، وعن إصرار على إنجاز مشروعها الشخصي حتى في غياب الميزانيات الكبيرة. هنا يمكن أن نصف هدار بأنها جزءًا من مشهد موسيقي مقاوم بديل، لا يراهن على اللمعان السريع، بل على النضال والصبر، والعلاقات الفنية، والإيمان بالمشروع.

إن تعاونها مع هدار نويبرغ يفتح أيضًا نافذة على طبيعة ذائقتها الموسيقية. فهدار نويبرغ معروفة بعلاقتها بالجاز والموسيقى العالمية، وهذا يجعل ألبوم هدار نحيميا، على الأقل من حيث التصور العام، قريبًا من منطقة المزج بين الأغنية الشخصية، والارتجال، والنبرة الشرقية، والفضاء العالمي.

ومن هذا المعنى نفهم أنه لا يمكن حصر هدار داخل خانة «مغنية تراث يمني» فقط، رغم أهمية هذا البعد في تجربتها. وهي تبدو فنانة تبحث عن صوت خاص عالمي، وقد وجدت في التراث اليمني اليهودي أحد الجذور العميقة لهذا الصوت، لكنها لا تقف عنده بوصفه حدودًا نهائية.

ومن خلال قناتها الرسمية وحضورها الرقمي، تظهر هدار في أعمال عبرية معاصرة، وفي أغانٍ ذات طابع شخصي وروحي، مثل بعض التسجيلات المنشورة باسمها، إلى جانب أنها وكما سبق وقلنا تؤكد دائمًا حضورها في فضاء يَمّة وتَيْمان.

وهذا التنوع مهم؛ لأنه يمنع اختزالها في وظيفة واحدة. فهي ليست فقط حافظة لتراث، وليست فقط مغنية ضمن فرقة، وليست فقط صاحبة مشروع فردي، بل تتحرك بين هذه الدوائر جميعًا، وهذا ما يمنحها خصوصية.

ومن المهم كذلك الاشارة إلى أن اهتمامها، كما يظهر من بعض المواد والسياقات الفنية المحيطة بها، يمتد إلى الموسيقى الهندية، والموسيقى العالمية، والجاز. قد لا نجد حتى الآن مقابلة مطولة تشرح فيها هي نفسها هذه التأثيرات بتفصيل كافٍ، لكن طبيعة المشهد الذي تتحرك فيه، والتعاونات التي تشارك فيها، وطريقة الأداء المنفتحة على المقام والارتجال والروحانية، كلها تجعل هذا التأثير مفهومًا ومهمًا.

فالموسيقى الهندية، مثل التراث اليمني، تقوم على قوة النبرة، وعلى الزخرفة، وعلى العلاقة بين الصوت والجسد والتنفس، وهذا قد يفسر بعض ميل هدار إلى الأداء الذي لا يكتفي بإيصال اللحن، بل يبحث عن حالة داخلية.

التراث ليس قيدًا ولكن مادة إبداعية للانطلاق العالمي
هنا يمكن القول إن هدار نحيميا تنتمي إلى جيل جديد من الفنانات اللواتي لا يرين في التراث قيدًا ولكن مادة للانطلاق.

هذا الجيل لا يكرر الأغنية كما هي فقط أو كما كانت، ولا يذيبها بالكامل في موسيقى تجارية حديثة، لكننا سنلاحظ أننا مع جيل له فلسفته وأدواته وهو يحاول أن يجد طريقًا ثالثًا: حفظ الروح، وتجديد الشكل. وهذا الطريق صعب جدًا؛ لأن أي اقتراب من التراث يثير سؤال الأمانة، وأي محاولة للتجديد تثير سؤال التشويه.

لكن التجارب الجادة هي التي تقبل هذا التوتر، وتجعله جزءًا من عملها لا عيبًا فيه.

ومن هذا المنظور، تبدو فرقة يَمّة ذات دور حيوي في نشر التراث اليمني اليهودي عالميًا. فهي لا تقدم الأغاني كمواد محلية ضيقة، بكل بساطة تعيد خلقها ضمن ضمن سياق موسيقى عالمية قادرة على الوصول إلى جمهور واسع.

ولقدنجحت الفرقة بالفعل في تقديم الأغنية اليمنية اليهودية بطريقة جعلتها مفهومة شعوريًا حتى لمن لا يفهم كلماتها. فالإيقاع، والتكرار، والصوت النسائي الجماعي، والآلات الشرقية، وطريقة البناء المسرحي، كلها عناصر تساعد على عبور اللغة.

وهذا ما يجعلنا ننظر بإعجاب وحب لفرقة يَمّةفهي ليست فرقة تؤدي تراثًا قديمًا، ولكن المدهش والبديع استمرر نشاطها وتطور أدواتها لتصبح وسيطًا ثقافيًا بين الذاكرة اليمنية والجمهور العالمي.

رابط لسماع مراجعة نقدية عن تجربة الفنانة

التراث النسائي اليمني

وتزداد أهمية هذا الدور عندما نعرف أن كثيرًا من التراث النسائي اليمني لم يحظ بحضور كبير في الأرشيفات أو مدونات المؤسسات. إن نقله إلى المسرح يعني إنقاذ أغنية وهو كذلك إنقاذ صورة كاملة عن حياة النساء: الأعراس، الحناء، الحب، المزاح، النصيحة، الوداع، الفرح، الحزن، والعمل اليومي. فالمرأة في الأغنية اليمنية ليست مجرد صوت جميل،هي ذاكرة اجتماعية كاملة منسية.
ولعل ما يميز هدار أيضًا أنها لا تبدو معنية بإنتاج صورة نجمية صاخبة عن نفسها. حضورها هادئ، ومعلوماتها الشخصية المنشورة محدودة، ولا نجد عنها كثافة إعلامية تشبه ما نجده لدى فنانات أكثر شهرة. لكن هذا الغياب لا يعني ضعف التجربة، بل ربما يكشف طبيعتها المستقلة. فهناك فنانون يعملون بالصوت أكثر مما يعملون بالصورة، ويتركون أعمالهم تسافر قبل سيرهم الذاتية. وهذا ما يجعلنا نحتاج للمزيد من البحث عنها يحتاج إلى تتبع الحفلات، والمقاطع، والتعاونات، والمشاريع الصغيرة، وليس الاكتفاء بالمقابلات الصحفية.

إسهامات يهود اليمن في الثقافة الإنسانية

كما أن هذا الغياب الإعلامي يضع على الباحثين والمهتمين بالتراث مسؤولية أكبر. فالفنانات مثل هدار نحيميا لا ينبغي أن يُنتظرن حتى يتحولن إلى نجمات كي يُكتب عنهن. أحيانًا تكون القيمة الحقيقية في التجارب التي تعمل بصمت، والتي تحفظ مناطق تراثية لا يلتفت إليها السوق.

ومن هنا تأتي أهمية إدراجها ضمن مشروع يوثق إسهامات يهود اليمن في الثقافة الإنسانية؛ فهي تمثل وجهًا جديدًا شابًا وجميلاً من وجوه هذا التراث، وجهًا نسائيًا، مستقلًا، عابرًا للحدود، ومتصلًا بالموسيقى العالمية.

إن تجربة هدار نحيميا تكشف كذلك عن علاقة عميقة بين الموسيقى والهوية. فالهوية هنا ممارسة فنية يومية. عندما تغني هدار أغنية يمنية يهودية، فهي تعيد طرح سؤال مهمًا: كيف يمكن لهذا الماضي أن يعيش اليوم؟ وكيف يمكن لجمهور في أوروبا أو المجمع العبري أو العالم العربي أن يسمع صوتًا خرج من بيوت يمنية قديمة؟ وكيف يمكن للتراث أن يكون جسرًا إنسانيًا للمحبة والسلام وليس جدارًا جامًدا؟

وقد ظهر هذا المعنى أيضًا في أحدى رسائلها الفنية التي عبّرت فيها عن أملها في أن يركز الجميع على الثقافة والموسيقى بدل الصراع.

هذه الجملة تبدو قريبة جدًا من روح مشروع يَمّة ومن روح التجارب الفنية التي تحاول أن تجعل الموسيقى مساحة للإنصات المتبادل. فالصراع يخلق عالمًا بشعًا ويصنع صورًا مغلقة عن الآخر، بينما تفتح الموسيقى نافذة صغيرة لرؤية ما هو إنساني ومشترك. وهذا لا يلغي الواقع السياسي المعقد، لكنه يخلق مساحة أخرى لا تستطيع السياسة دائمًا أن تمنحها.

لهذا يمكن القول إن هدار نحيميا تمثل تجربة فنية تتقاطع فيها الذاكرة النسائية، والجذور اليمنية، والموسيقى المستقلة، والبحث عن لغة عالمية. وهي في هذا كله تقدم نموذجًا لفنانة شابة تفهم أن التراث لا يبقى حيًا إذا حُبس في الماضي، ولا يبقى أصيلًا إذا ذاب تمامًا في السوق.

التراث اليمني اليهودي في حركة إبداعية مستمرة
وفي النهاية، فإن أهمية هدار نحيميا وفرقة يَمّة تكمن في أنهما تضعان التراث اليمني اليهودي في حركة إبداعية مستمرة. ولقد صار هذا التراث عروضًا وموسيقى تُسمع على المسارح العالمية، وتتنقل في الجولات، وتدخل إلى المنصات الرقمية، وتصل إلى جمهور جديد. ومن خلال هذا المسار، يتحول الصوت اليمني اليهودي من ذاكرة خاصة إلى مساهمة في الثقافة الإنسانية.

، تكمن تجربة قيمة هدار نحيميا، وقيمة يَمّة، وقيمة كل مشروع يحاول أن يمنح التراث اليمني اليهودي حياة جديدة في عالم كثير النسيان، شديد الضجيج، ومحتاج دائمًا إلى أصوات تعيد إليه شيئًا من الصفاء والإنصات والأمل.