الخميس، 20 أغسطس 2026 | الموافق ٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

الإنزال الاقتصادي» على إيران: هل تنجح واشنطن في قطع شرايين طهران؟

الدكتور الخلي:" السلطة تمارس استنزافاً لقدرة اليمنيين بدلاً من إدارة الأزمة الاقتصادية"

■ الإنزال الاقتصادي.. انتقال من العقوبات إلى الخنق الاقتصادي ،الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعلن عن مرحلة جديدة من الضغط على إيران، واصفًا إياها بـ«الإنزال الاقتصادي»، في إشارة رمزية إلى إنزال نورماندي الذي شكّل نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية. والمغزى السياسي واضح: لم تعد واشنطن تستهدف إيران وحدها، بل تريد استهداف كل من يوفر لها شريانًا اقتصاديًا أو ماليًا.

■ المعركة الحقيقية ليست داخل إيران.. بل حول إيران
واشنطن تتجه إلى ملاحقة النفط الإيراني، وعمليات التهريب، والأسطول السري، والتحويلات المالية، والمؤسسات التي تساعد طهران على الوصول إلى الأسواق الدولية. أي أن الهدف هو تجفيف القنوات التي تسمح لإيران بتحويل النفط إلى أموال ثم إعادة تدوير هذه الأموال عبر النظام التجاري والمالي العالمي.

■ العقوبات الثانوية هي السلاح الأخطر خاصة ،إذا تحولت تهديدات ترامب إلى إجراءات تنفيذية واسعة، فإن الخطر لن يقع على الشركات الإيرانية فقط، بل على البنوك، وشركات التأمين، وشركات النقل، والموانئ، والمطارات، والوسطاء التجاريين الذين يتعاملون مع إيران. وهنا تصبح الرسالة الأمريكية: إما إيران أو النظام المالي الأمريكي.

■ الإمارات.. الاختبار الأكبر للاستراتيجية الأمريكية، اطالما كانت الإمارات، ولا سيما دبي، إحدى أهم بوابات التجارة وإعادة التصدير إلى إيران، وهو ما جعلها منفذًا مهمًا للاقتصاد الإيراني في مواجهة العقوبات. لكن التطور الأهم وقع أمس؛ إذ أعلنت الإمارات تعليق جميع الأنشطة التجارية والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر.

■ هل أغلقت الإمارات فعلاً الرئة الاقتصادية الإيرانية؟

إ ذا تحول القرار الإماراتي من إجراء مرتبط بالتصعيد الحالي إلى سياسة طويلة الأمد، فإن إيران ستفقد واحدة من أهم القنوات التي تساعدها على الوصول إلى السلع والأسواق والخدمات المالية الدولية. وهذا يعني أن تأثير العقوبات الأمريكية سيصبح أكبر بكثير عندما تتوقف الدول المجاورة عن توفير منافذ بديلة.

■ دبي تحديدًا أمام اختبار تاريخي والسؤال ليس فقط: هل توقفت التجارة الرسمية؟ بل: هل ستتوقف شبكات الشركات الوسيطة، والتحويلات المالية، وإعادة التصدير، والواجهات التجارية التي يمكن أن تستخدم للالتفاف على العقوبات؟
هنا ستكون المعركة الحقيقية.

■ النفط هو شريان الحياة الأول ،إيران تستطيع إنتاج النفط، لكن المشكلة الأساسية هي: كيف تبيعه؟ وكيف تنقل عائداته؟ وكيف تعيد إدخال الأموال إلى اقتصادها؟

ولهذا فإن استهداف الأسطول السري وشركات النقل والتأمين والبنوك والوسطاء قد يكون أكثر تأثيرًا من مجرد فرض عقوبات إضافية على مؤسسات إيرانية.

■ الصين.. الحلقة الأصعب ، إذا أرادت واشنطن تحويل «الإنزال الاقتصادي» إلى حصار حقيقي، فإن الصين ستكون الاختبار الأصعب؛ لأنها تمثل سوقًا رئيسية للنفط الإيراني. وهنا ستواجه واشنطن معادلة دقيقة: كيف تضغط على مشتري النفط الإيراني دون تحويل المواجهة الاقتصادية مع طهران إلى مواجهة أوسع مع بكين؟

■  العراق.. الحلقة الأكثر تعقيدًا ،العراق ليس مجرد شريك تجاري لإيران، بل يرتبط معها بحدود طويلة وشبكات تجارية ومصرفية وطاقة ومصالح متداخلة. ولذلك فإن فرض قطيعة اقتصادية كاملة بين بغداد وطهران سيكون أكثر صعوبة من الضغط على شركات أو مؤسسات منفردة.

■ قطر.. البعد الاقتصادي والإعلامي ،قطر تمثل حالة مختلفة؛ فهي ليست مجرد نافذة اقتصادية، وإنما لاعب سياسي وإعلامي يمتلك قنوات اتصال متعددة مع طهران. ولذلك فإن أي ضغط أمريكي عليها سيكون سياسيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه، وليس مجرد ملف تجاري.

■ أوروبا أمام اختبار جديد ، ألمانيا وفرنسا وبقية الدول الأوروبية ستواجه سؤالًا صعبًا: هل تستطيع الحفاظ على جزء من علاقاتها التجارية مع إيران دون تعريض شركاتها ومؤسساتها المالية للعقوبات الأمريكية؟

فالقضية لم تعد مجرد موقف أوروبي من إيران، وإنما كلفة التعامل مع إيران.

■ هل تستطيع واشنطن تشكيل تحالف اقتصادي ضد إيران؟
هذا هو السؤال الاستراتيجي الأهم ،فالولايات المتحدة تستطيع فرض العقوبات، لكنها تحتاج إلى تعاون الدول المحيطة بإيران حتى تصبح العقوبات أكثر إحكامًا. وإذا انضمت الإمارات والعراق وتركيا ودول الخليج والدول الأوروبية بدرجات مختلفة إلى منظومة الضغط، فإن مساحة المناورة الإيرانية ستتقلص بصورة كبيرة.

■ من «عقوبات على إيران» إلى «عقوبات على من يساعد إيران» ،هذه هي النقلة النوعية ،واشنطن تريد أن تجعل التعامل مع إيران مكلفًا على الآخرين، بحيث لا يصبح التهرب من العقوبات خيارًا تجاريًا مربحًا، وإنما مخاطرة قد تفقد معها الشركات والبنوك إمكانية الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.

■ الإمارات ستكون المؤشر الأهم ،قرار أبوظبي بوقف التجارة والتعاملات المالية مع إيران جاء في توقيت بالغ الحساسية، ويجعل الإمارات أمام اختبار تاريخي: هل ستبقى مجرد محطة للضغط الأمريكي، أم تتحول إلى جزء أساسي من منظومة العزل الاقتصادي الإيراني؟

■ الخلاصة: المعركة المقبلة على شرايين إيران
إذا تمكنت واشنطن من إغلاق منافذ النفط والمال والتجارة والتحويلات، بالتزامن مع تعاون الدول المجاورة، فإن «الإنزال الاقتصادي» قد يتحول من مجرد عقوبات إلى استراتيجية لخنق الاقتصاد الإيراني من الخارج.
ولهذا فإن السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا ستفعل واشنطن بإيران؟

بل: هل تستطيع واشنطن إقناع جيران إيران بأن استمرار التعامل الاقتصادي مع طهران أصبح أكثر كلفة من قطع شرايينها الاقتصادية؟

والإجابة عن هذا السؤال ستبدأ من الإمارات.. ثم العراق.. ثم الصين.