الأحد، 6 سبتمبر 2026 | الموافق ٢٣ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

تعز والعيال

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

تعز لا تُهزم ليس لأن جغرافيتها أكثر صلابة من غيرها، ولا لأن سلاحها أوفر، بل لأن الهزيمة تحتاج أولاً إلى مجتمع مفكك، إلى مدينة تقف على الحياد تجاه مصيرها. وهذا ما لا يحدث في تعز. هنا لا توجد مسافة واضحة بين المجتمع والجبهة؛ الجيش ليس مؤسسة معلقة فوق الناس، والناس ليسوا جمهوراً ينتظر نشرات الأخبار. في تعز، المجتمع جيش واسع، والجيش امتداد طبيعي للمجتمع.

كنت أسمع منذ الصغر أن تعز منبع الثقافة وشعاع الوعي. كانت العبارة تبدو لي غير مفهومه ،حتى رأيتها تعمل أمامي لا كشعار، بل كنظام اجتماعي حي. في شارع 26، أمام بقالة الحاج حمود، لم يكن المشهد عسكرياً، لكنه كان جزءاً من الحرب. رجل بقالة يوقف باصاً، يحمّله مواد غذائية ويقول: “وصلها للعيال”. يأتي صاحب الصيدلية بأكياس علاج. يخرج صاحب البوفية بعشرين دبة عصير. يحاولون دفع الأجرة فيرفض السائق. لا خطابة، لا تصوير، لا لجنة، لا بيان. فقط حركة هادئة دقيقة، كأن المدينة تعرف واجبها مسبقاً.

كلمة “العيال” هنا ليست تفصيلاً لغوياً. إنها الشفرة الاجتماعية لتعز. “العيال” ليسوا أبناء الحاج حمود وحده، ولا عمال الصيدلية، ولا أقارب صاحب الباص. هم المقاتلون في الجبهات. لكن المجتمع لا يسميهم “قوة عسكرية” ولا “أفراداً” ولا “مقاتلين”. يسميهم “العيال”، أي يضمهم إلى البيت الكبير.

بهذه الكلمة تتحول الجبهة من مكان بعيد إلى غرفة داخل المنزل، ويتحول المقاتل من رقم في كشف إلى ابن جماعي، له حق على البقال والصيدلي وصاحب البوفية والسائق والمرأة والعامل والطالب.

هذا هو معنى الوعي في تعز. ليس الوعي كثرة الكتب فقط، ولا الثقافة في معناها الاحتفالي. الوعي هنا قدرة المجتمع على أن يدرك موقعه من الخطر دون أن ينتظر أمراً مركزياً. كل فرد يعرف وظيفته الصغيرة داخل المعركة الكبرى. البقالة تصبح مخزناً خلفياً، الصيدلية تصبح وحدة إسناد طبي، البوفية تصبح إمداداً يومياً، الباص يصبح وسيلة نقل، والشارع يتحول إلى شريان لوجستي. لا أحد يعلن ذلك، لكنه يحدث بدقة مدهشة.

وحين سألت الحاج حمود: من هم العيال؟ تغيّر وجهه. لم يكن يخفي تجارة، بل كان يحمي معنى. في المدن المحاصَرة تصبح الأسئلة الزائدة عبئاً أمنياً وأخلاقياً. الناس لا يشرحون كل شيء للغرباء، لأن ما يفعلونه لم يعد عملاً فردياً يحتاج إلى تفسير، بل عرفاً عاماً يحتاج إلى صمت يحميه. لذلك جاء الجواب قاسياً: “ما دخلك؟” القسوة هنا ليست سوء خلق، بل غريزة حماية لبنية مقاومة يومية.

الأعمق من ذلك أن تعز، في وعي أبنائها، لا تخوض معركتها فقط ضد عدو على أطرافها، بل ضد احتمالات الخذلان أيضاً. حين يشعر الناس أن السلطة تتردد، وأن الدعم يذهب إلى جبهات أخرى، وأن المدينة تُترك لتواجه مصيرها، لا ينهارون تلقائياً. في مجتمعات كثيرة يؤدي التخلي إلى تفكك، أما في تعز فقد أنتج نوعاً من السيادة الشعبية الصامتة: إذا لم تأتِ الدولة كاملة، يصنع المجتمع دولته المصغرة من بقالة وصيدلية وباص وضمير.

لهذا تبدو تعز عصية. ليست عصية لأنها لا تتألم، بل لأنها تعرف كيف تحول الألم إلى تنظيم. المدن لا تسقط بالقذائف وحدها؛ تسقط حين ينفصل المقاتل عن الناس، وحين يتحول الدفاع إلى وظيفة معزولة، وحين ينتظر المجتمع من جهة ما أن تنقذه بالكامل. أما حين يصبح كل بيت امتداداً للجبهة، وكل دكان نقطة إسناد، وكل سائق صاحب دور، فإن إسقاط المدينة يصبح محاولة لإسقاط شبكة اجتماعية كاملة لا مجرد موقع عسكري.

عندما أوقفت الباص وقلت للسائق لكي اتاكد : أريد أن توصلني إلى العيال، لم يسأل كثيراً. سأل فقط: إلى أين؟ الغربية؟ ثم قال إن البترول غالٍ، ولو كنتم خمسة لأوصلكم. هنا اكتملت الفكرة. لم يكن الرجل بطلاً استثنائياً، بل فرداً عادياً داخل نظام استثنائي. وهذا أخطر ما في تعز على خصومها: أن البطولة فيها ليست حالة نادرة، بل سلوك يومي موزع بين الناس.

تعز أرض لا تُهزم لأن الهزيمة تحتاج أولاً أن تقنع الناس بأنهم منفصلون عن معركتهم. وفي تعز، لم يحدث هذا الفصل. “العيال” في الجبهة، لكنهم في الوقت نفسه داخل كل بيت. وما دامت المدينة ترى مقاتليها أبناءها، وما دام الخبز والدواء والعصير والطريق تتحرك نحوهم بلا أوامر، فإن تعز لا تكون مجرد مدينة تقاوم؛ إنها مجتمع كامل يعرف كيف يمنع سقوطه.