الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 | الموافق ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

المـواطن اليمـني يدفـع ثـمن كل شـيء.

الفـسـاد عـائـق أمام الإصـلاح والنـهـض.

فـي الوطـن، لم يعد المواطن يدفع ثمن احتياجاته الأساسية فحسب، بل أصبح يدفع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كلفة أزمات متراكمة لم يكن طرفًا في صنع كثير من أسبابها، ولا يملك أدوات معالجتها.

يدفـع من راتـبه، ومن قدرته على الاحتمال، ومن استقرار أسرته، ومن مستقبل أبنائه، فيما تتقلص مساحة الحياة الممكنة يومًا بعد آخـر.

حـين ترتـفع الأسـعار، يدفع المواطن. وحـين تتراجع قيمة العـملة، يدفع المواطن.

وحـين تتعثر الخدمـات، يدفع المواطن ثـمن البديل من دخـله المحـدود.

وحـين تتأخـر الرواتب أو تفقد قدرتها الشرائية، يصبح مطالبًا بتدبير شؤونه بما تبقى له من إمكانات، وكأن مسؤوليته لا تنتهي عند أداء واجباته، بل تمتد إلى تحمّل نتائج كل اختلال يحـيط بحـياته.

وهـنا تكـمن المفارقة المؤلمة؛ المواطن الذي لم يختر الحرب، ولم يقرر السياسات الاقتصادية، ولم يضع أولويات الإنفاق العام، يجد نفسه في مقدمة من يتحملون آثارها، بينما تظل قدرته على التأثير في القرارات التي تمس معيشته محـدودة.

وليـس في ذلك إنكارٌ لحجم التحديات التي تواجهها الدولة، ولا تجاهلٌ لما خلفته الحرب من أضرار في الاقتصاد ومؤسسات الحكم ومصادر الإيرادات؛ لكـن الاعتراف بصعوبة الظروف لا يعني التسليم بأن يتحول المواطن إلى الطرف الذي يتحمل العـبء الأكـبر دون أن يرى مسارًا واضحًا لتخفـيفه.

فـ الأزمـات قد تفرض على الدولة خيارات صعبة، لكنها لا تعفيها من واجب توزيع الأعباء بعدالة، ولا من مسؤولية حماية المجتمع من الانزلاق إلى مستويات أشد من العـوز والحرمـان.

المشـكلة ليست في ارتفاع الأسعار وحـده، بل في اتساع الفجوة بين تكاليف الحياة وقدرة الناس على الوفاء بها. وليـست في محدودية الراتب فحسب، بل في تراجع ما يستطيع هذا الراتب توفيره من احتياجات أساسية.

وليـست في تعثر الخدمات فـقط، بل في أن المواطن قد يضطر إلى دفع تكاليف إضافية للحصول على ما يفترض أن يكون متاحًا ضمن الحد المقبول من الخـدمات العامـة.

وهكـذا تتراكم الأعـباء على الأسرة اليمنية؛ التزامات معيشية لا تتوقف، وتعليم يحتاج إلى نفقات، وعلاج قد يفوق القدرة المالية، وخدمات أساسية تستنزف ما تبقى مـن الدخـل.

وفـي مواجـهة ذلك، لا يملك معظم محدودي الدخل قدرة الانتـظار، ولا القدرة على امتصاص كل زيـادة جديـدة.

أمـا الموظـف، فله نصيب مضاعف من هذه المعاناة؛ إذ يُطلب منه الاستمرار في أداء واجباته والمحافظة على انتظام المؤسسة التي يعمل فيها، بينما تتراجع قدرته على تأمين متـطلبات أسـرته.

والمـعلم والأستاذ الجامـعي والطبيب والموظـف الإداري، وغيرهم من العاملين في القـطاع الـعام، لا يستطيعون فصل استقرارهم المعيشي عن قدرتهم على مواصلة أداء وظائفـهم بكـفاءة.

ولا ينـبغي أن يُفهم ذلك باعتباره مطالبة بامتيازات استثنائية، بل دفاعًا عن مبدأ بسيط؛ لا يمكن مطالبة المؤسسات بالاستمرار في أداء وظائفها، ثم التعامل مع الأوضاع المعيشية للعاملين فيها باعتبارها مـسألة هامـشية.

وفـي المـقابل، فإن معالجة هذا الواقـع لا تكون بتوزيع الاتهامات، ولا بإطلاق الوعود التي تتجاوز الموارد المتاحة، وإنما بمراجعة جادة لأولويات الإنفاق، وتعزيز تحصيل الإيرادات العامة، ومكافحة الفـساد والتـهرب والعبث بالمال العام، وتحسين كفاءة المؤسسات، وإخضاع القرارات الاقتصادية لتقييم مستمر يقيس أثرها الفعلي على المواطنين.

كما تقـتضي المسـؤولية مراجعة الأعـباء التي تفرضها القرارات المالية والجمركية والضريبية على الأسواق والمستهلكين، ودراسة آثارها المتتابعة على تكاليف السلع والخدمات، حتى لا تتحول إجراءات زيادة الإيرادات إلى أعباء إضافية على المواطنين دون تقدير كافٍ لنتائجها الاجتماعية والاقـتصادية.

وفـي هذا السـياق، ينبغي أن تكون الأولوية لحماية الفئات الأشـد تضررًا، وتحسين انتظام صرف الرواتـب، وصيانة القوة الشرائية قدر الإمكان، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وتوجيه الموارد المتاحة نحو الخدمـات الأسـاسية.

(فـ الإصـلاح الحقيقي لا يقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرتها على تخفيف الأعـباء وتحقيق نتائج يمكن التحقق منها).

ومـن مقتضيات العـدالة أيضًا أن يشعر المجتمع بأن إجراءات ضبط الإنـفاق تشمل أوجه الهدر والنفقات غير الضرورية، وأن المسؤولية العامة تفرض على شاغـلي المـناصب مراجعة امتيازاتهم ونفقاتهم في ضوء الإمكانات المتاحة، لا أن تظل إجراءات التقشف محصورة في حياة المواطنين الذين لا يملكون أصلًا مساحة واسعة لتقليص احتياجاتهم.

(إن الثـقة بين المواطن والدولة لا تُبنى بطلب الصبر وحـده، بل بالمصارحة والإنصاف والنتائج).

ومن حـق الناس أن يعرفـوا ما تملكه المؤسسات من موارد، وكيف تُدار، وما الأولويات التي تُقدَّم، وما الإجراءات التي اتُّخذت لتصحيح الاختلالات، وما الذي تحقـق بالفـعل.

ولا يعـني ذلك أن الدولة قادرة على إنهاء جميع الأزمات فـورًا، وإنـما يعني أن قدرتها على إدارة المتاح بكفاءة وعدالة تمثل جزءًا أساسيًا من مسؤوليتها، حتى في أشـد الـظروف صعـوبة.

فليس من العـدالة أن يتحمل المواطن كلفة الأزمـة في دخـله وخدماته ومستقبل أسرته، ثم يُطلب منه أن يقيس نجاح السياسات بصبره على نتائجـها.

إن اسـتعادة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ليست مسألة أرقام وموازنات فقط، بل قضية ثقة ومسؤولية وطنية؛ وكلما شعر المواطن بأن التضحيات موزعة بعدالة، وأن مؤسسات الدولة تتحرك لمعالجة الأسباب لا الاكتفاء بإدارة النتائج، ازدادت فرص استعادة الثقة وتعـزيز الاستـقرار.

أمـا استـمرار تراكم الأعـباء على الفئات الأضعـف، دون إجراءات ملموسة لتخفيفها، فيهدد بتوسيع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته، ويجعل الحديث عن التعافي الاقتصادي أقل إقناعًا لمن لا يجد أثره في حـياته اليومـية.

الوطـن اليوم لا يحتاج إلى إقناع مواطنيه بأن الظروف صعبة؛ فهم يعيشون صعوبتها في تفاصيل يومهم، ما يحتاجـون إليه هو أن تتحول معرفة المسؤولين بهذه المعاناة إلى قرارات واضحة، وأن تصبح حماية الحد الأدنى من الحياة الكريمة أولوية لا تتراجع أمام الاعتبارات الأقـل إلحـاحًا.

فـ المـواطن اليمني ليس مـوردًا لتعـويض إخفاقـات السياسات، ولا مساحة مفتوحة لنقل أعـباء الأزمـات إليه؛ إنه الغاية التي ينبغي أن تُقاس بها السياسات العامة، والإنسان الذي من أجله تُبنى مؤسسات الدولة وتُـدار مواردهـا.

وحـين تـدرك المؤسـسات هذه الحقيقة، يصبح الإصلاح أكثر من شعار، وتصبح المسؤولية أكثر من منصب، ويغدو تخفيف معاناة الناس دليلًا على أن الدولة لا تزال قادرة على تحويل واجباتها إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

.