كشف اللقاء الذي جمع رئيس مجلس النواب العراقي هيبت الحلبوسي ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد، الأربعاء 19 أغسطس، عن تباين واضح في مواقف البلدين إزاء عدد من الملفات الحساسة، أبرزها سلاح الفصائل المسلحة، والتدخل الإيراني في الشأن العراقي، وتصدير النفط عبر مضيق هرمز.
وبحسب تفاصيل نقلتها قناة «الحرة» عن أشخاص حضروا اللقاء، وجّه الحلبوسي إلى قاليباف سؤالًا بشأن موقف طهران من تشكيل العراق فصائل مسلحة داخل إيران ودعمها، متسائلًا عما إذا كانت طهران ستقبل بمثل هذا الأمر.
وأجاب قاليباف، وفق المصادر ذاتها، بأن إيران لن تقبل بذلك، وأنها تدعم قرار الدولة العراقية، ليرد عليه الحلبوسي بالقول: «إذن يجب التوقف عن أي شيء يظهر دعمكم لما هو عكس توجهات الدولة العراقية».
وتطرق اللقاء إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة، حيث دعا الحلبوسي إيران إلى دعم توجه الحكومة العراقية لإنهاء مظاهر السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وعدم تشجيع الفصائل المسلحة على رفض تسليم أسلحتها.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية، بدعم وضغوط أمريكية، إلى إنهاء وجود السلاح خارج إطار مؤسسات الدولة، في مقابل مساعٍ إيرانية للحفاظ على نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لها.
وكانت «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» قد أعلنتا في 2 يونيو فك ارتباطهما بتشكيلات الحشد الشعبي والبدء بإجراءات حصر السلاح، بعد خطوة مماثلة لـ«سرايا السلام». في المقابل، تتمسك «كتائب حزب الله» و«كتائب سيد الشهداء» و«حركة النجباء» بسلاحها، وفق ما أوردته «الحرة».
وكشفت مصادر مطلعة على زيارة قاليباف، بحسب القناة، أن رئيس مجلس الشورى الإيراني اقترح خلال لقاءاته مع قادة الإطار التنسيقي الحاكم إبقاء أسلحة الفصائل بحوزتها أو إيداعها لدى هيئة الحشد الشعبي، بدلًا من تسليمها إلى الحكومة.
وأضافت المصادر أن أحد أهداف زيارة قاليباف كان محاولة تحقيق ما لم يتمكن قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني من تحقيقه خلال زيارته السابقة إلى بغداد، إذ طالب قادة الفصائل بالحفاظ على سلاحهم، بحسب ما نقلته «الحرة».
ولم يقتصر الخلاف بين الحلبوسي وقاليباف على ملف السلاح، إذ امتد إلى قضية تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، في ظل تداعيات إغلاق المضيق على الاقتصاد العراقي.
وبحسب «الحرة»، اعترض الحلبوسي خلال اللقاء على استخدام قاليباف تعبير «الخليج الفارسي»، مؤكدًا أنه «لا يوجد شيء بهذا الاسم»، في إشارة إلى الخلاف المستمر بين إيران ودول عربية بشأن تسمية الخليج.
كما حاول الحلبوسي معرفة موقف طهران من منع السفن العراقية من المرور عبر مضيق هرمز، متسائلًا عن إمكانية منح العراق استثناءً، خصوصًا في ظل طبيعة العلاقات بين البلدين وما قدمه العراق لإيران من دعم.
ورد قاليباف، وفق المصادر التي تحدثت إلى «الحرة»، بأن إيران لا تستطيع منح العراق استثناءً، لأن ذلك سيدفع دولًا أخرى إلى المطالبة باستثناءات مماثلة، وأن الظروف الحالية لا تسمح بذلك.
ويمثل إغلاق مضيق هرمز تحديًا كبيرًا للعراق، الذي يعتمد بصورة أساسية على تصدير النفط من موانئه الجنوبية. وبحسب «الحرة»، تراجع إنتاج العراق النفطي إلى نحو 1.2 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 4.3 مليون برميل في الظروف الطبيعية.
وبات خط الأنابيب الممتد عبر إقليم كردستان العراق إلى ميناء جيهان التركي المنفذ الوحيد العامل لتصدير النفط العراقي باتجاه البحر المتوسط، وينقل نحو 170 ألف برميل يوميًا.
كما أثار الحلبوسي، بحسب المصادر، قضية تدخل السفير الإيراني في بغداد في ملفات مرتبطة بمكافحة الفساد، متهمًا إياه بالدفاع عن أشخاص متهمين في بعض القضايا. ولم يقدم قاليباف، وفق المصادر، ردًا على هذه المسألة.
وبحسب الأشخاص الذين تحدثوا إلى «الحرة»، اتسمت نهاية اللقاء بالتوتر، قبل أن ينتقل جانب من الخلاف إلى منصة «إكس».
فبعد ساعات من الاجتماع، نشر قاليباف صورة له من بغداد تظهر خلفه جدارية لخريطة المنطقة، كتب عليها بالفارسية «خليج فارس». وفي اليوم التالي، نشر الحلبوسي صورة مشابهة له أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج العربي»، مكتفيًا بوسم «الخليج العربي».
وحظيت تدوينة الحلبوسي بأكثر من 1.9 مليون مشاهدة، مقابل نحو 600 ألف مشاهدة لتدوينة قاليباف، وفق ما أوردته «الحرة».
وفي المقابل، خلا البيان الرسمي الصادر عن مجلس النواب العراقي عقب اللقاء من أي إشارة إلى النقاش بشأن سلاح الفصائل أو الخلاف حول تسمية الخليج أو قضية تدخل السفير الإيراني في ملفات الفساد.
واكتفى البيان بالإشارة إلى أن الحلبوسي دعا إلى مراعاة «خصوصية العراق» في تصدير النفط عبر مضيق هرمز بما يحفظ مصالحه الاقتصادية، مؤكدًا أن العراق من أكثر دول المنطقة تأثرًا بالتطورات الجارية، إلى جانب بحث تفعيل لجان الصداقة وتعزيز الدبلوماسية البرلمانية بين بغداد وطهران.
وتابع قاليباف زيارته إلى بغداد، حيث التقى رئيس الوزراء علي فالح الزيدي والرئيس نزار آميدي، وشارك في اجتماع للإطار التنسيقي، قبل أن يلتقي رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان يوم الخميس.
ويعكس اللقاء، وفق التفاصيل التي كشفتها «الحرة»، انتقال الخلاف بين بغداد وطهران من الملفات التقليدية إلى نقاش أكثر حساسية بشأن حدود النفوذ الإيراني، وقرار الدولة العراقية، ومستقبل سلاح الفصائل المسلحة، في وقت تواجه فيه الحكومة العراقية ضغوطًا متزايدة لحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة.





