السبت، 22 أغسطس 2026 | الموافق ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الرأي

مجلس القضاء الأعلى من انتهاك الدستور إلى تجاوز السلطة التشريعية.

الهاشمية السياسية و الحراك التهامي ورقة عسكرية وذريعة التفكيك

في ظل الأزمة السياسية والقانونية غير المسبوقة التي تعيشها البلاد يبرز القرار الإداري الصادر عن رئيس مجلس القضاء الأعلى رقم 41 لسنة 2025م بشأن تعديل قانون الرسوم القضائية كجريمة دستورية متكاملة الأركان تستوجب الوقوف عندها طويلاً.

فالعودة المدققة إلى النصوص الدستورية والقانونية الرسمية الموثقة في المركز الوطني للمعلومات، تكشف بوضوح حجم التجاوز والانتهاك الصارخ لمبادئ المشروعية الدستورية، التي تقوم عليها دولة القانون والمؤسسات.

الدستور اليمني في مادته 12 ينص صراحة ،على أنه يراعى في فرض الضرائب والتكاليف العامة مصلحة المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، وهذا النص الدستوري هو قيد قانوني ملزم على جميع السلطات.

ومع ذلك نجد أن القرار المطعون في دستوريته قد جاء مخالف بشكل صريح لهذا المبدأ الدستوري، حيث رفع الرسوم القضائية بنسب تصل إلى 300% مما يجعل العدالة بعيدة عن متناول الغالبية العظمى من المواطنين اليمنيين الذين يعانون أصلاً من ظروف اقتصادية صعبة.

الأخطر من ذلك يأتي في المادة 13 من الدستور الذي قيد في أحكامها واجبة التطبيق ،عندما نصت في الفقرة الأولى منها على أن إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا يكون إلا بقانون، ولا يعفى أحد من أدائها كلها أو بعضها إلا في الأحوال المبينة في القانون.

ولا يجوز تكليف أحد بأداء غير ذلك من الضرائب والرسوم والتكاليف العامة إلا بقانون، ثم أكدت الفقرة الثانية من ذات المادة على أن إنشاء الرسوم وجبايتها وأوجه صرفها وتعديلها والإعفاء منها لا يكون إلا بقانون.

وهنا تكمن الكارثة الدستورية، فالدستور استخدم كلمة قانون بدقة متناهية وبشكل متكرر ،لأن القانون في النظام الدستوري اليمني لا يصدر إلا عن مجلس النواب باعتباره السلطة التشريعية الوحيدة للدولة، كما تنص على ذلك المادة 62 من الدستور التي تؤكد أن مجلس النواب هو السلطة التشريعية للدولة، وهو الذي يقرر القوانين ويقر السياسة العامة للدولة والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والموازنة العامة.

وبالعودة إلى قانون الرسوم القضائية رقم 26 لسنة 2013م الذي صدر عن مجلس النواب وبعد موافقته، تكشف بوضوح الفلسفة التشريعية التي اعتمدها المشرع اليمني في تسهيل وصول المواطنين للعدالة.

فالمادة 5 من القانون الأصلي نصت على فرض رسم نسبي على دعاوى المنازعات التجارية والمدنية والإدارية معلومة القيمة ،وفقًا لنسب محددة تبدأ من واحد ونصف في المئة من قيمة الدعوى التي لا تتجاوز عشرة ملايين ريال بحد أدنى قدره خمسة آلاف ريال.

ثم تنخفض النسبة إلى واحد في المئة للدعاوى التي تزيد عن عشرة ملايين ولا تتجاوز مائة مليون ريال، وتستمر في الانخفاض لتصل إلى نصف الواحد في المئة للدعاوى التي تزيد على مائتي مليون ريال، وهذا النظام التصاعدي التنازلي يعكس وعي تشريعي بضرورة عدم إثقال كاهل المتقاضين.

الأهم من ذلك المادة 24 من القانون ذاته التي كانت تفرض رسم قدره ألف ريال فقط على الطعون في الأحكام ما عدا الطعن بطلب إعادة النظر فيفرض رسم عليه قدره ألفي ريال.

وهذه المبالغ الرمزية كانت تعكس التزام المشرع الدستوري بتسهيل حق المواطنين في الطعن على الأحكام الصادرة ضدهم، لكن القرار رقم 41 لسنة 2025م قلب هذه الفلسفة رأسًا على عقب، حيث ضاعف الرسوم القضائية بشكل كبير ووصل في بعض الحالات إلى ثلاثة أضعاف مما يعني أن مواطن يريد الطعن في حكم يتعلق بعقار قيمته خمسة ملايين ريال سيضطر لدفع مبالغ طائلة كان سيدفع عنها ألف ريال فقط بموجب القانون الأصلي.

يتصرف رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي وكأنه يملك صلاحية التفويض بتعديل القوانين، مع أن الدستور اليمني واضح وصريح في أن السلطة التشريعية حصرية لمجلس النواب.

والتفويض الذي أصدره العليمي في بتاريخ 20 أبريل 2025م لتعديل قانون الرسوم القضائية هو تفويض باطل، لأن العليمي لا يملك الأصل لتفوضه، فمجلس القيادة الرئاسي نفسه يعمل في وضع دستوري هش، ولم ينل ثقة مجلس النواب كما ينص الدستور اليمني، والحكومة كذلك لم تقدم بيانها الوزاري للبرلمان، فكيف بجهة غير مستقرة شرعيًا أن تفوض بتعديل قوانين تمس حقوق المواطنين الأساسية؟