حميد عقبي +
ينطلق البحث المعنون: «هل القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ؟ دراسة في ضوء النقوش الثمودية المرافقة لحيوانات منقرضة في المملكة العربية السعودية»، والمنشور في مجلة «دراسات تاريخية» العلمية المحكمة، مركز عدن للدراسات التاريخية، العدد 12، 2025، للباحثين:
أ.د. قصي منصور التُركي ود. عيد حمد اليحيى ممن أطروحة شديدة الجرأة.
مفاد القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ، وأن تاريخه ينبغي أن يُدفع بعيدًا إلى ما قبل التصورات المعتمدة في الدراسات الغربية والعربية، ربما بعشرات القرون. يعلن البحث، منذ ملخصه وسطوره الأولى، أنه يسعى إلى وضع حد للجدل حول تاريخ الثموديين، وخاصة القلم الذي كتبوا به، مستندًا إلى نقوش ثمودية مرافقة لرسوم حيوانات منقرضة في السعودية.
غير أن المشكلة تبدأ من هنا تحديداً؛ فالدراسة لا تقدم اكتشافًا مؤرخًا تأريخًا مستقلًا، بل تبني دعوى كونية ضخمة على سلسلة من الافتراضات غير المحكمة. وتبدو الدراسة في بعض مواضعها أقرب إلى خطاب احتفائي يريد تسجيل منجز رمزي كبير، أكثر من كونها بحثًا أثريًا يتحرك بحذر بين الفرضية والدليل. والقارئ للمادة سيلمس مدى ضعف اللغة والصياغة وتواضع التعبير.
الفكرة المركزية في البحث تقوم على الربط بين ثلاثة عناصر: رسومات صخرية لحيوانات يراها الباحثان منقرضة أو غير ملائمة للبيئة الصحراوية الحالية، وكتابات يقرآنها بوصفها ثمودية، ثم تاريخ بيئي قديم للجزيرة العربية خلال فترات الرطوبة والبحيرات. وبناءً على هذا الربط، يستنتج البحث أن الكتابة الثمودية لا بد أن تكون معاصرة لتلك الحيوانات، أي أقدم بكثير من التأريخ الشائع.
لكن هذا الاستدلال ضعيف؛ لأن وجود نقش قرب رسم لا يثبت أنهما من الزمن نفسه. فالواجهات الصخرية تُستعمل عبر أزمنة طويلة، وقد يُضاف نقش متأخر إلى رسم أقدم، أو تُكتب أسماء وعبارات بجوار مشاهد موروثة. القرب المكاني ليس دليلًا زمنياً.
المعضلة الثانية هي الاعتماد على «العتق» أو درجة التجوية بوصفه قرينة شبه حاسمة. هذه ملاحظة ميدانية قد تكون مفيدة، لكنها لا تصلح وحدها لتأريخ كتابة إلى الألف الخامس أو الثامن قبل الميلاد. لون الصخر وعمق الحفر ودرجة التآكل تتأثر بعوامل كثيرة: نوع الصخر، اتجاه الواجهة، الشمس، الأملاح، الرطوبة، الرياح، وعمق النقش.
لذلك لا يجوز تحويل التشابه البصري بين الرسم والحروف إلى تاريخ مؤكد. البحث نفسه يعترف في الخاتمة بأن «جوهر» المسألة علميًا ومختبريًا هو فحص عينات من الرسوم الصخرية المرفقة بكتابات ثمودية، وأن هذه الفحوص هي التي ستبين زمن الكتابة؛ ثم يعلن في الوقت نفسه قناعة تامة بأن القلم الثمودي هو الأقدم. هذا إعلان للحكم قبل إجراء الاختبار الحاسم.
أما القراءة النقشية فتبدو في مواضع كثيرة محكومة بالرسم المجاور لها. فإذا وُجدت حروف قرب ثور، تُقرأ بوصفها صيغة ملكية: «هذا الثور لفلان»، وإذا وُجدت قرب حيوان آخر تُفسر كإشارة إلى الصيد أو الحيازة. لكن تعدد القراءة نفسه يكشف أن النص غير محسوم، وأن المعنى المفترض يستمد قوته من الصورة، إذ لا يوجد نظام كتابي ثابت وقراءة منشورة خضعت لمراجعة مستقلة. وهنا يصبح الدليل دائريًا: الرسم يساعد على تخمين القراءة، ثم تُستخدم القراءة لإثبات أن الرسم والنقش متعاصران.
تتسع الفوضى المنهجية حين يخلط البحث بين علم النقوش، والفن الصخري، والجغرافيا القديمة، واللغة، والهوية، والمرويات الدينية.
فهو يبدأ من القرآن وثمود، ثم ينتقل إلى الثمودية بوصفها تصنيفًا كتابيًا، ثم إلى العربية والهوية الجزيرية، ثم إلى الهجرات والكتابة المسمارية والمصرية.
بل يذهب إلى أن القرآن ينبغي أن يكون نقطة انطلاق ومنهج بحث أدق في التعامل مع أخبار الأقوام والرسل، مقارنة بالمصادر المسمارية والتوراتية. هذا خلط بين مقام الإيمان ومقام التأريخ الأثري؛ فالنقش لا يؤرَّخ بالعقيدة، بل بالطبقة، والمادة، والمقارنة، والتحليل المختبري، والسياق الأثري.
الأخطر أن البحث يحوّل فرضيات محلية إلى انقلاب في تاريخ الكتابة. فهو لا يكتفي بالقول إن بعض النقوش الثمودية قد تكون أقدم مما نعرف، بل يقارنها بالكتابة السومرية والمصرية، ثم يميل إلى ترجيح أن القلم العربي القديم/الثمودي هو الأسبق، أي أنه سبق كل الحضارات
. بل يربط ظهور القلم الثمودي بفترة الهولوسين الرطبة 8000 ـ 4000 ق.م، ويجعل نقش لخيش ودراسات الأبجدية المبكرة مؤشرات مساعدة، مع أن هذه الشواهد لا تسمح بهذه القفزة. فالأقدمية العالمية لا تُثبت بالمجاورة البصرية، بل بنصوص مؤرخة تأريخًا مستقلًا وبتسلسل تطوري واضح.
خلاصة النقد أن البحث لا يفشل لأنه اهتم بالنقوش الثمودية، بل لأنه حمّلها ما لا تحتمل. النقوش الثمودية مهمة، والفن الصخري في الجزيرة العربية ثري، وتاريخ البيئة القديمة يستحق دراسة واسعة. لكن تحويل هذه العناصر إلى إعلان بأن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ يحتاج إلى دليل من رتبة مختلفة تمامًا.
ما بين الفرضية والادعاء الكوني توجد فجوة كبيرة جدًا، وهذا البحث قفز فوقها بلا جسر علمي كافٍ. وفي الفقرة الأخيرة يطالب البحث الجهات الرسمية بإجراء فحوصات مختبرية، أي إنه يعترف ضمنًا بأن الدليل الحاسم لم يُنجز بعد. وهذا وحده يكفي لإسقاط النتيجة الكبرى، لأن ما لم يُختبر لا يجوز أن يُقدَّم بوصفه انقلابًا في تاريخ الكتابة.
استنتاجات هامة
● العنوان أكبر من مادة البحث
يُظهر البحث منذ عنوانه مشكلة أساسية، وهي أن السؤال المطروح لا يتناسب مع طبيعة الأدلة المعروضة. عبارة «أقدم قلم في التاريخ»عبارة عن ادعاء عالمي يمس تاريخ الكتابة كله.
لذلك كان على الباحثين أن يقدما مادة مؤرخة بدقة، وليس أفكار مفتوحة على التأويل. وهنا العنوان يسبق البرهان، ويضع القارئ أمام نتيجة ضخمة قبل أن يرى الطريق العلمي إليها.
وهكذا يبدأ الخلل: فالمادة لا تتقدم تدريجيًا نحو النتيجة، لكن تبدو كأنها صيغت أصلًا للدفاع عن نتيجة مقررة مسبقًا أو مبشرة لمنجز وطني يجب أن نقبله ونصفق له.
● ـ الفرضية لم تُصغ بصيغة قابلة للاختبار
الفرضية العلمية الجيدة يجب أن تكون محددة وقابلة للاختبار والنفي. أما هنا فالفرضية فضفاضة جدًا: القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ. هذه صيغة واسعة لا تحدد عينة بعينها، ولا فترة محددة، ولا توجد معاير واضحة للمقارنة.
هل المقصود أقدم نقش ثمودي؟ أم أقدم نظام أبجدي؟ أم أقدم كتابة عربية؟ أم أقدم كتابة بشرية؟ هذا الغموض يجعل البحث يتحرك في أكثر من اتجاه، ويستعمل كل قرينة ممكنة لخدمة الاستنتاج، دون أن يضع معيارًا صارمًا يمكن للقارئ أن يقيس به قوة الفرضية أو ضعفها.
● ـ لا توجد عينة ممثلة واضحة
الدراسة تتحدث عن آلاف النقوش والرسوم، لكنها لا تمنح القارئ عينة منظمة تمثل هذا الكم الكبير. البحث العلمي لا يكتفي بالقول إن الباحث شاهد آلاف الأمثلة، بل يوضح كيف اختيرت العينة، وما معايير إدخالها أو استبعادها، وما نسبة النقوش المصاحبة للرسوم، وما عدد الحالات التي تحمل العلاقة نفسها.
من دون هذا التنظيم تصبح «الآلاف» عبارة بلاغية لا قيمة تحليلية دقيقة لها. كثرة المادة قد تكون قوة عظيمة، لكنها تتحول إلى انطباع عام إذا لم تُرتب في جداول وتصنيفات ودرجات يقين واضحة.
● ـ الدراسة تخلط بين الملاحظة الميدانية والنتيجة العلمية
الملاحظة الميدانية بداية مهمة، لكنها ليست نهاية البحث. أن يرى الباحث كتابة قرب رسم حيوان منقرض لا يعني أنه أثبت التزامن بينهما. الملاحظة تحتاج إلى اختبار: هل النقش فوق الرسم أم تحته؟ هل القشرة الصخرية واحدة؟ هل اتجاه الحفر متشابه؟ هل توجد آثار أدوات مختلفة؟ هل يمكن تصوير السطح بتقنيات دقيقة؟ البحث يتعامل مع الملاحظة كأنها نتيجة شبه مكتملة، وهذا اختزال واضح. فالعين ترى الجوار، لكنها لا ترى الزمن. الزمن يحتاج إلى أدوات قياس، لا إلى انطباع بصري فقط.
● ـ غياب التمييز بين الدليل والقرينة
من أخطر مشكلات البحث أنه يعامل القرينة كأنها دليل حاسم. وجود حيوان منقرض في رسم صخري قرينة على قدم الرسم، لا دليلًا على قدم النقش المجاور.
تشابه العتق قرينة بصرية، لا تأريخًا علميًا. قراءة كلمة محتملة قرينة لغوية، لم تحمل المادة أي إثباتًا تاريخيًا. هذه المادة حتى وإن قبلنا تسميتها بالبحث فإنها لم تتمكن من جمع هذه القرائن، ثم رفعها إلى مستوى البرهان.كون القرائن، مهما تكاثرت، تظل بحاجة إلى حلقة حاسمة تربطها بالنتيجة. والنتيجة هنا كبرى جدًا، لذلك لا يكفي تراكم الاحتمالات لإعلان أن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ.
●- النصوص غير المنشورة لا تكفي لقلب تاريخ الكتابة
اعتمد البحث على بعض النقوش التي يقدمها بوصفها جديدة أو غير منشورة. هذا في ذاته ليس عيبًا، فكل اكتشاف يبدأ جديدًا. لكن المشكلة أن النقوش غير المنشورة لا يجوز أن تتحول فورًا إلى أساس لانقلاب معرفي عالمي قبل أن تُعرض على مجتمع الاختصاص. يجب أن تُنشر بصور عالية الدقة، وتُفهرس، وتُقرأ من أكثر من متخصص، وتُقارن بنقوش مماثلة، ثم تُتاح للنقاش. أما أن تُستخدم هكذا مباشرة لإثبات أقدمية عالمية، فهذا يجعل القارئ أمام سلطة الباحثين وليس أمام مادة علمية قابلة للمراجعة.
● ـ غياب المراجعة المستقلة للقرارات
القراءة النقشية مجال دقيق جدًا، والخطوط العربية الشمالية القديمة تحمل احتمالات لبس كثيرة في اتجاه الكتابة وأشكال الحروف وتداخل العلامات. لذلك لا تكفي قراءة واحدة، خصوصًا حين تكون القراءة جزءًا من إثبات نظرية كبرى. كان ينبغي عرضها على متخصصين مستقلين، وذكر المراجعات البديلة، وبيان أسباب الترجيح. أما حين تُقرأ العلامات بطريقة تخدم صورة الحيوان المجاور، يصبح خطر الإسقاط كبيرًا. القراءة هنا لا تبدو دائمًا نتيجة تحليل داخلي للنص، بل أحيانًا نتيجة رغبة في جعل النص شاهدًا على المشهد.
● - الصورة تقود النص بدل أن يقرأ النص نفسه
في كثير من الأمثلة يبدو أن الرسم الصخري هو الذي يوجه معنى النقش. فإذا ظهر ثور، اتجهت القراءة نحو الملكية أو الصيد أو تسمية الحيوان. وإذا ظهر مشهد حيوان آخر، صار النص تابعًا للصورة. هذا قلب للمنهج. في علم النقوش، يجب أن يقرأ النص أولًا بأدواته الداخلية: الحروف، الصيغة، الاتجاه، البنية، المقارنات. بعد ذلك يمكن أن يساعد الرسم في الفهم. أما أن تبدأ القراءة من الصورة، فهذا يجعل النص مرآة لرغبة الباحث، لا شاهدًا مستقلًا. وهنا تنشأ الدائرة المغلقة التي تضعف البحث.
●ـ تحديد الحيوان يحتاج إلى اختصاص مستقل
لا يكفي أن يقرر الباحثان أن الحيوان المرسوم هو ثور الأرخُص أو غزال بعينه أو حيوان منقرض محدد. الرسوم الصخرية غالبًا مبسطة، وقد تتداخل فيها الرمزية والأسلوب الفني والتآكل. تحديد النوع الحيواني يحتاج إلى مختصين في علم الحيوان القديم، وإلى مقارنة تشريحية دقيقة، لا إلى انطباع بصري عام. وإذا كان نوع الحيوان غير محسوم، فإن الاستنتاج الزمني المبني عليه يصبح غير مستقر. فالدراسة تبني تاريخ الكتابة على تاريخ الحيوان، لكنها لا تثبت الحيوان نفسه بما يكفي من الضبط العلمي.
●ـ البيئة القديمة لا تؤرخ الكتابة مباشرة
الاستشهاد بفترات الرطوبة والبحيرات في الجزيرة العربية مهم لفهم الخلفية البيئية، لكنه لا يكفي لتأريخ النقوش. نعم، عرفت الجزيرة العربية مراحل رطبة وبيئات غنية بالحيوانات والمياه، لكن هذا لا يعني أن كل نقش بجوار رسم حيوان كبير يعود إلى تلك الفترة. البيئة تقدم إطارًا عامًا، لا تاريخًا مباشرًا للحروف. البحث يستعمل دراسات المناخ القديم وكأنها تمنح تأريخًا للنقوش، بينما هي في الواقع تتحدث عن شروط الحياة والاستيطان. الفرق كبير بين أن نؤرخ بيئة، وأن نؤرخ كتابة محددة على صخرة محددة.




