الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 | الموافق ٣ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الأدب والفنون

موسكو تكتب المستقبل في يكاترينبورغ.. مدينة تُروى بالتجربة لا بالكلمات

موسكو تكتب المستقبل في يكاترينبورغ.. مدينة تُروى بالتجربة لا بالكلمات

ياسر أبو بكر +

في يكاترينبورغ، حيث تتقاطع طرق الشباب القادمين من 191 دولة، لا تبدو المدن حاضرة فقط بأسمائها وأعلامها.

بعضها اختار أن يأتي بصورة مختلفة؛ أن يترك للزائر فرصة اكتشافه بنفسه، وأن يحول الجناح إلى مساحة للحوار والتجربة، لا إلى مجرد مكان للعرض.

هكذا حضرت موسكو في مهرجان الشباب الدولي 2026.

منذ اللحظة الأولى التي تدخل فيها جناح «موسكو – مدينة المستقبل»، تشعر أن الفكرة ليست أن يقال لك كيف تبدو موسكو، وإنما أن تُمنح شيئًا من تفاصيلها.

هنا، التكنولوجيا ليست هي القصة كلها، والشاشات ليست هي البطل الوحيد.

هناك شاب يصنع سوارًا بيده، وآخر يبحث عن فرصة مهنية، وثالث يخطط لرحلة، وزائر يجرب التحليق افتراضيًا فوق معالم العاصمة، وآخر يجلس أمام كوب من الشاي.

تفاصيل صغيرة، لكنها حين تجتمع ترسم صورة أكبر لمدينة تريد أن تقدم نفسها بلغة الحياة اليومية.

مدينة تبدأ من الإنسان

في منطقة «شباب موسكو»، تبدو الفكرة أكثر وضوحًا.

المشروع يفتح أمام الشباب مساحات للتعلم والتطوير والمشاركة، من المسابقات الإبداعية إلى المنتديات المهنية والدورات التعليمية المجانية.

لا يقتصر الأمر على تقديم نشاط ترفيهي داخل مهرجان؛ بل هناك محاولة لربط الشباب بما يمكن أن يأتي بعد المهرجان: معرفة، مهارة، تجربة، وربما مسار مهني جديد.

وفي زاوية أخرى، يقدم خبراء متخصصون استشارات فردية حول فرص العمل والتطور الوظيفي.

وهنا يصبح مفهوم «مدينة المستقبل» أكثر قربًا من الإنسان.

فالمستقبل ليس فقط ما تستطيع التكنولوجيا أن تفعله، وإنما ما يستطيع الإنسان أن يفعله باستخدامها.

لحظة تحلق فيها فوق موسكو

 

ثم تأخذك التجربة إلى مكان آخر ،في مسرح الواقع الافتراضي، تبتعد للحظات عن أرض يكاترينبورغ، وتحلق فوق موسكو.

تظهر المعالم من الأعلى، وتتغير زاوية النظر إلى المدينة.

ليست رحلة سياحية بالمعنى التقليدي، بقدر ما هي محاولة لاستخدام التكنولوجيا لتقريب المكان من شخص قد يكون على بعد آلاف الكيلومترات منه.

وبالطريقة نفسها، تفتح الشاشات التفاعلية نافذة على الخدمات الرقمية في العاصمة، وتعرض كيف أصبحت التكنولوجيا جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.

حين يصبح التراث رقميًا

وفي تجربة VDNH Metaverse، يأخذ الحضور خطوة أخرى نحو العالم الرقمي.

يمكن استكشاف نسخ رقمية من الممر المركزي في معرض الإنجازات الاقتصادية الوطنية، وجناح «الفضاء»، والجناح رقم 1.

المفارقة الجميلة هنا أن التكنولوجيا لا تأتي لإلغاء المكان الحقيقي، بل لتمنحه حياة أخرى.

أن ترى الموقع في العالم الافتراضي، ثم تفكر في زيارته على أرض الواقع.

كوب شاي في منتصف المستقبل

لكن وسط كل هذا الحديث عن الذكاء الرقمي والواقع الافتراضي والخدمات الإلكترونية، هناك مساحة تبدو للوهلة الأولى أكثر بساطة.

صالة للشاي.

كوب ساخن، ومذاق خاص، وحديث عن تقاليد شرب الشاي في موسكو.

ربما تكمن جاذبية هذه الزاوية في أنها تذكّر بأن المدن لا تُبنى بالتكنولوجيا وحدها.

فالمدينة أيضًا عاداتها، وذاكرتها، وروائحها، ومذاقاتها، واللحظات التي يجلس فيها الناس معًا دون حاجة إلى شاشة.

موسكو التي يمكن أن تحملها معك

وفي محطة البريد الروسي، يمكن للمشارك أن يرسل بطاقة بريدية إلى أي مكان في العالم.

في زمن تصل فيه الرسالة إلى الطرف الآخر خلال ثانية، تبدو البطاقة البريدية وكأنها جاءت من زمن آخر.

لكنها هنا تصبح شيئًا مختلفًا: ذكرى ملموسة من مهرجان دولي، تحمل اسم مدينة روسية إلى مدينة أخرى في العالم.

وفي المقابل، تأخذك أجهزة RUSSPASS اللوحية إلى تجربة رقمية بالكامل.

تختار اهتماماتك، وتحدد ما تريد أن تراه، ثم تصنع لك أداة Route Planner مسارًا يناسبك.

الرحلة هنا لا تُفرض عليك؛ أنت الذي ترسمها.

من المدينة إلى الإبداع

وفي سوق Art.Molodost، تتحدث موسكو بلغة أخرى.

35 علامة تجارية موسكوفية تقدم أعمالًا ومنتجات تنتمي إلى عوالم التصميم والإبداع.

كما تفتح الفعالية نافذة على صناعة السينما في موسكو، بينما يضيف العمل الفني «كاتيوشا الباندا» مساحة مختلفة للمشهد، مستوحاة من أحد أكثر سكان حديقة حيوان موسكو شعبية.

كل ذلك يجعل الجناح أقرب إلى صورة مصغرة لمدينة متعددة الوجوه.

مدينة لها تاريخها، لكنها لا تريد أن تتوقف عند تاريخها.

خلف المشهد.. أكثر من 230 متطوعًا

غير أن أكثر ما قد لا يظهر في الصور هو أولئك الذين يجعلون التفاصيل تسير بسلاسة ،أكثر من 230 متطوعًا من موسكو يشاركون في دعم المهرجان عبر 17 مجالًا وظيفيًا.

من الاستقبال والاعتماد والخدمات اللوجستية، إلى الترجمة ومساعدة الوفود وتنظيم الجولات ودعم المشاركين من ذوي محدودية الحركة وإنتاج محتوى منصات التواصل.

هم الوجه الهادئ الذي يعمل خلف المشهد.

وفي المهرجانات الدولية، غالبًا ما يكون نجاح التجربة مرتبطًا بهذه التفاصيل التي لا يلاحظها الجمهور إلا عندما تغيب.

ليست صورة عن موسكو.. بل دعوة إليها

بعد التجول بين هذه المساحات، يصبح عنوان الجناح أكثر قابلية للفهم.

«مدينة المستقبل» لا تعني فقط الأبنية الحديثة أو الخدمات الرقمية أو الواقع الافتراضي.

إنها محاولة لصياغة علاقة مختلفة بين المدينة وسكانها وزوارها وشبابها.

مدينة توفر المعرفة، وتعرض الثقافة، وتفتح مسارات للسفر والعمل، وتستخدم التكنولوجيا، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بتفاصيل إنسانية بسيطة؛ كوب شاي، بطاقة بريدية، منتج إبداعي، أو حديث عابر بين أشخاص جاءوا من أماكن بعيدة.

وهذا ربما هو الجانب الأكثر إثارة في التجربة.

فموسكو لم تأتِ إلى يكاترينبورغ لتعرض نفسها على شباب العالم فقط.

لقد جاءت لتقول إن المدينة يمكن أن تكون تجربة تُعاش، لا صورة تُشاهد.

وفي مهرجان جمع آلاف الشباب من مختلف القارات، ربما كانت هذه هي الرسالة الأهم:

أن المستقبل، مهما بلغ من سرعة وتكنولوجيا، سيظل في النهاية بحاجة إلى الإنسان؛ إلى فضوله، وأفكاره، ولقائه بالآخر، وقدرته على تحويل المدينة من مكان نعيش فيه إلى مساحة نصنع فيها ما سيأتي.