ياسر ابوبكر +
في السياسة، هناك فرق كبير بين أن تسمع عن تجربة وأن تراها أمامك. قد تصلنا صورة عن بلد من خلال الأخبار والتقارير، لكن الاقتراب من الواقع يمنح الصورة معنى آخر، ويترك مساحة أكبر للفهم والمقارنة.
من هذا المنطلق يمكن قراءة دعوة إيلا بامفيلوفا، رئيسة لجنة الانتخابات المركزية الروسية، للمشاركين الأجانب في مهرجان الشباب العالمي 2026، للاطلاع بصورة مباشرة على الانتخابات الروسية وزيارة عدد من المناطق خلال عملية التصويت المقررة في الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر.
الدعوة لا تتوقف عند الحديث عن الانتخابات، بل تفتح الباب أمام المشاركين لرؤية تفاصيلها على الأرض: كيف تعمل اللجان؟ كيف تُدار مراكز الاقتراع؟ كيف يجري تسجيل البيانات؟ وأين تلتقي الإجراءات التقليدية بالتكنولوجيا في إدارة عملية انتخابية بهذا الحجم؟
أن ترى التجربة كما هي
في زمن تتشكل فيه كثير من الصور من مسافات بعيدة، تصبح المشاهدة المباشرة أمرًا مهمًا.
وخلال حديثها في ماراثون «زنانِي. بيرفيي»، عرضت بامفيلوفا جوانب من عمل النظام الانتخابي الروسي، ودعت المشاركين الأجانب إلى زيارة مناطق مختلفة من روسيا ومتابعة الانتخابات بأنفسهم.
الفكرة في غاية البساطة: أن ترى التجربة قبل أن تكوّن عنها انطباعًا ،فالانتخابات ليست مجرد يوم للتصويت، وإنما منظومة تبدأ قبل وصول الناخب إلى صندوق الاقتراع بكثير، وتستمر حتى إعلان النتائج. وبين هذه المراحل تعمل شبكة واسعة من اللجان والكوادر والأنظمة التي يفترض أن تحافظ على انتظام العملية في بلد يمتد على مساحة جغرافية هائلة.
نحو مليون شخص في المشهد الانتخابي
تحدثت بامفيلوفا عن شبكة اللجان الانتخابية التي يشارك فيها نحو مليون شخص من مختلف المهن والأعمار والقوميات والمعتقدات.
وهذا العدد يعطي فكرة عن حجم العملية الإدارية المطلوبة لتنظيم الانتخابات في روسيا، وعن الحاجة إلى قواعد موحدة وآليات عمل واضحة، مع مراعاة اختلاف الظروف بين منطقة وأخرى.
كما أن العمل الجماعي داخل اللجان يوزع المسؤولية بين عدد كبير من المشاركين، بدل أن ترتبط العملية بقرار فرد واحد.
عندما تدخل التكنولوجيا إلى صندوق الاقتراع
الانتخابات الحديثة لم تعد مسألة أوراق وصناديق فقط.
ففي عام 2026 دخلت منظومة GAS Vybory 2.0 مرحلة التشغيل الدائم، وهي منظومة تعتمد على معدات وبرمجيات روسية وقاعدة بيانات مركزية، مع إجراءات لتعزيز أمن المعلومات.
ومع تسجيل أكثر من 111 مليون ناخب، تصبح سرعة تحديث البيانات وأمن الاتصالات وحماية الأنظمة الرقمية جزءًا أساسيًا من إدارة العملية الانتخابية.
وقد أشارت بامفيلوفا إلى أن موقع لجنة الانتخابات المركزية تعرض خلال الحملة الرئاسية لعام 2024 لنحو 12 مليون هجوم إلكتروني.
وهذا يكشف جانبًا جديدًا من الانتخابات في عصر التكنولوجيا؛ فالمعركة لم تعد كلها أمام صندوق الاقتراع، بل أصبح جزء منها يجري خلف الشاشات، حيث حماية البيانات والأنظمة لا تقل أهمية عن حماية الإجراءات على الأرض.
تجربة يمكن النظر إليها ومقارنتها
لا أعتقد أن قيمة أي تجربة انتخابية تكمن في أن تنقلها دولة إلى أخرى كما هي ،لكل دولة قوانينها وظروفها ومؤسساتها وبنيتها التقنية والمجتمعية. لكن معرفة تجارب الآخرين تظل خطوة مهمة لفهم ما يمكن الاستفادة منه، وما يحتاج إلى تعديل، وما قد لا يكون مناسبًا في بيئة مختلفة.
وهنا تكمن أهمية الدعوة الروسية ، أن يذهب المشاركون إلى المناطق، ويشاهدوا مراكز الاقتراع، ويتعرفوا على عمل اللجان، ثم يعودوا بأسئلتهم وانطباعاتهم الخاصة.
فالمشاهدة لا تعني بالضرورة الاتفاق، كما أن الاختلاف لا يلغي قيمة التعرف إلى التجربة.
يكاترينبورغ.. حين يصبح الحوار أكثر من كلام
مهرجان الشباب العالمي 2026، الذي تستضيفه يكاترينبورغ من 11 إلى 17 سبتمبر، يجمع نحو 10 آلاف مشارك من 191 دولة، ويتضمن أكثر من 600 فعالية في مجالات الأعمال والتعليم والثقافة والمجتمع.
لكن ما يلفتني في مثل هذه الفعاليات ليس الأرقام وحدها، بل فرصة أن يلتقي أشخاص من بلدان وثقافات مختلفة في مكان واحد، وأن يكتشف كل منهم العالم من زاوية لم تكن متاحة له من قبل.
ومن هنا تبدو دعوة المشاركين إلى متابعة الانتخابات الروسية جزءًا من مساحة أوسع للتعرف إلى التجربة الروسية من الداخل.
فالانتقال من قاعة الحوار إلى مركز الاقتراع يغير طبيعة النقاش. تصبح الأسئلة أكثر ارتباطًا بالواقع، وتصبح التفاصيل التي نسمع عنها شيئًا يمكن رؤيته وملاحظته.
في النهاية، قد لا تكون أفضل طريقة لفهم تجربة بلد ما هي أن نسمع عنها من الآخرين، بل أن نقترب منها بأنفسنا.
أن نرى كيف تعمل المؤسسات، وكيف يعيش الناس تفاصيلها، ثم نكوّن صورتنا الخاصة.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الأهم لدعوة بامفيلوفا:
أن تنتقل المعرفة من الكلام عن التجربة إلى الاقتراب منها ورؤيتها من الداخل.





