وردة بلسود رحلة أدب وصوت نسوي

الأخبار المحلية
إكرام فرج☆

في مدينة الشحر، حيث تتنفس الأرصفة عبق البحر وتختزن الأزقة إرثاً ثقافياً عريقاً، نشأت الكاتبة وردة عوض بلسود، 39 عاماً، في أروقة مدرسة الجلاء، وخطّت أولى حروفها دون أن تدري أن تلك البدايات ستقودها إلى درب أدبي طويل مليء بالشغف والتحديات.

البدايات

اكتشفت وردة بلسود شغفها بالكتابة منذ طفولتها، حين كان والدها يطلب منها صياغة رسائله لا ليقرأها فقط، بل ليستمتع بأسلوبها وقدرتها على إلباس المشاعر ثوب الحروف، فكان يرى في سطورها بريقاً مختلفاً.

تميزت في مادة اللغة العربية طوال مراحلها الدراسية، لتفتح لها الجامعة آفاقاً أوسع، حيث شاركت في فعاليات أدبية حصدت فيها جوائز، وكانت تلك لحظة اعتراف بأنها كاتبة بحق.

بعد رحيل والدها، تحولت الكتابة إلى متنفس لمشاعرها، بينما واصل زوجها دعمها حتى اليوم، مانحاً إياها إصراراً أكبر على متابعة مسيرتها. وقد لعبت مدينة الشحر، بإرثها الثقافي والأدبي، دوراً بارزاً في تشكيل هويتها الإبداعية منذ أيام المدرسة مروراً بالثانوية، وسط تشجيع والدها وبعض كتّاب المدينة، فترسخ عشقها للكلمة وتبلورت شخصيتها الأدبية.

النشر وبداية التميز

أول قصة قصيرة بعنوان الصورة نُشرت باسم وردة في صحيفة الأيام، لتشكل هذه المشاركة لحظة فارقة في رحلتها الأدبية، وإعلاناً صامتاً عن وصولها إلى الساحة الأدبية.
وبقصة الرائحة حصلت على جائزة رئيس الجمهورية، وقصة قصيرة أخرى بعنوان الظلم نالت بها جائزة الشيخة حنان باحمدان، التي اعتبرتها انطلاقة جديدة نحو إثبات وجودها ككاتبة في حضرموت واليمن، واصفة إياهن بأنهن نجاح الفرحة الأولى بعد تعب وجهد.

وتحدثت بلسود لمنصة هودج حول تلك الإنجازات قائلة: "لم تفتح الأبواب فحسب، بل وسّعت الأفق أمامي، وجعلت كل حرف أكتبه امتداداً لوجود يُرى ويُحترم ويُنتظر. ولقد منحتني إيماناً بأنني كاتبة، وأن ما أكتبه يستحق أن يُقال."
وتؤمن وردة بأن هذه الجوائز لعبت دوراً مهماً في تسليط الضوء على صوتها ومنحها مساحة أوسع في الساحة الأدبية، فهي لم تكن مجرد تكريم، بل اعتراف بأن ما تكتبه يستحق القراءة، وأن تجربتها مهما بدت بسيطة تحمل ما يلامس الآخرين.

واعتبرت أن كل قصة تكتبها هي محطة جديدة في حياتها، وليس هناك عمل بعينه يمثل محطتها الأهم، مشيرة إلى أن: "كل عمل أدبي أكتبه ليس مجرد سرد لحكاية، بل هو ولادة جديدة لي، محطة تنقلني من شعور إلى آخر، وتترك أثراً في روحي، كأنها تعيد تشكيل داخلي على الورق."

ومن القصص التي أعدتها: ارتجافات روح، عائشة روح المدينة، بكاء قلبي، الحرمان والطرحة، سندريلا خارج الحكاية، والقصة الأخيرة التي انتهت من كتابتها بعنوان عنبرة البر، والتي ستنشر خلال الأيام القادمة في صحيفة الأيام.

دورها في نادي الشحر الأدبي

وبصفتها نائبة شعبة المرأة في نادي الشحر الأدبي، أسهمت في دعم الأصوات النسائية الشابة عبر تنظيم أمسيات شعرية وقصصية، والتخطيط لإصدار مجموعات أدبية لهن، وشاركت في إعداد أوبريت غنائي لذكرى الفنان الحضرمي حسين أبو بكر المحضار.

ووضعت مع فريقها خطة ثقافية لستة أشهر بالتعاون مع مكتب الثقافة لاكتشاف ورعاية المواهب في مدارس الثانوية. حضورها يتجاوز الدور الإداري إلى شغف فعلي بالسرد والإبداع، حيث ترافق الكاتبات في بداياتهن وتؤمن بضرورة احتضان كل موهبة حتى تزهر.

التحديات

واجهت وردة بلسود منذ بداياتها تحديات عديدة، إذ تراكمت قصصها في الأدراج، وطُبعت مجموعتها الأولى بطباعة متواضعة دون انتشار بسبب غياب الدعم المادي والمعنوي. ومع نضج تجربتها، تسعى اليوم لإصدار مجموعة قصصية تليق بصوتها العربي الأصيل.
وترى وردة أن حضرموت تتنفس الفن، لكن القبول المجتمعي يختلف تجاه المرأة؛ فبينما يُحتفى بإبداع الرجل، تواجه الكاتبة صمتاً أو ريبة، ما يدفع بعضهن للنشر بأسماء مستعارة، وإن بدأت نساء يكتبن بحرية أكبر.

وتعتبر الكتابة فعلاً مقاوماً يكشف المسكوت عنه، وتحرص في أنشطتها على خلق مساحة آمنة تشجع الأمهات على دعم بناتهن وكسر الحواجز أمام تعبير المرأة.
ورغم التزامها بلباسها المحافظ وقيم تربت عليها، تؤكد أن حروفها تولد من الألم بصدق وقدرة على التغيير. وتقول إنها لو كانت رجلاً لُفتحت أمامها أبواب أوسع، لكن مسؤوليات البيت والأطفال والعمل لم تمنعها من الإبداع، فالإرادة أقوى من ضيق الوقت.

نحو مستقبل أدبي نسوي

واصفة المشهد الأدبي النسائي في اليمن بأنه بدأ يتنفس بصوت أنثوي أوضح من أي وقت مضى، وتقول: "أصبح الحضور النسوي أكثر جرأة وصدقاً، لا بوصفٍ هامشي، بل كصوت أصيل يكتب ويرسم ويغني للحياة. وفي حضرموت أصبحت الكاتبة تتجاوز حدود النخبة لتظهر في الثانوية والجامعة وحتى في البيت."

وتوجّه رسالة للكاتبات بأن الطريق إلى الأدب يحتاج صبراً ومثابرة وقراءة عميقة، فالكتابة الحقيقية صدقٌ وبوح لا بحث عن شهرة. وتحلم بإصدار مجموعة قصصية تليق بتجربتها وتترك بصمتها في القصة اليمنية، ممهدة الطريق لجيل جديد من الكاتبات.

 

المصدر: منصة هودج
زر الذهاب إلى الأعلى